التهرب الضريبي: النزيف الصامت الذي يفاقم الأزمة المالية
الكاتب: نبهان خريشة
تتعمق الأزمة المالية التي تواجه السلطة الفلسطينية منذ عدة سنوات، وهي أزمة أخذت أبعادا أكثر حدة في الأعوام الأخيرة نتيجة تراكم تأثيرات عدة عوامل: احتجاز إسرائيل مبالغ ضخمة من أموال المقاصة الضريبية الفلسطينية وتراجع دعم المانحين وتراجع النشاط الاقتصادي المحلي، وسياسات مالية غير كافية للحد من الممارسات الضريبية غير المشروعة، وعلى رأسها التهرب الضريبي المنهجي من قبل الشركات الكبرى والقطاعات الاحتكارية. هذه الأزمات لم تكن منعزلة عن بعضها البعض، بل شكلت حلقة متكاملة من الضغوط التي تقوض قدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها المالية الأساسية، وتزيد من هشاشة الاقتصاد الفلسطيني.
بيانات وزارة المالية الفلسطينية تشير إلى أن الإيرادات الضريبية، التي تشكل ركيزة من ركائز موارد السلطة المالية، شهدت تقلبات كبيرة خلال السنوات الماضية، مما يعكس التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها. فوفق بيانات موثقة، بلغ إجمالي الإيرادات الضريبية المحلية نحو 2.48 مليار شيقل في عامٍ 2025، منها ضريبة القيمة المضافة التي استحوذت وحدها على نحو 40.5% من إجمالي الإيرادات الضريبية المحلية، وهو ما يشير إلى تركيز كبير على الضرائب غير المباشرة كمصدر رئيسي للإيرادات في مواجهة كل من الاحتجاز والتراجع الاقتصادي.
هذه البيانات تظهر أيضا أن الإيرادات الضريبية لم تكن في تزايد مطرد، حبث ارتفعت بضع سنوات ثم انخفضت في أعوام لاحقة نتيجة عوامل متعددة، بما فيها انكماش النشاط الاقتصادي والتحديات في جمع الضرائب بفعالية، وهو ما يتضح أيضا من بيانات تقارير المؤسسات الدولية التي تشير إلى انخفاض الإيرادات الإجمالية والضريبية في بعض الفترات.
في هذا السياق، تبدو احتجاز أموال المقاصة الضريبية من قبل إسرائيل كعامل مركزي في تعميق الأزمة، فمنذ عام 2019 وحتى أوائل عام 2025، تحتجز إسرائيل مبالغ تقدر بما يقارب الـ 7 مليار شيكل (ما يعادل نحو 1.9 مليار دولار) من عائدات الضرائب الفلسطينية التي تجمع نيابة عنها، مبررة ذلك باقتطاعات تحت ذرائع متعددة هذا الاحتجاز الذي استمر لسنوات، وغالبا ينطوي على تأخير نقلها أو خصمها تحت حجج مثل نفقات تخص قطاع غزة أو ما يسمى مخصصات الأسرى والشهداء، يفاقم العجز المالي للسلطة ويمنعها من تغطية نفقاتها الأساسية.
وقد انعكس هذا الاحتجاز على قدرة السلطة على دفع رواتب موظفيها كاملة، إذ اضطرت في عام 2025 إلى دفع ما بين 50% إلى 70% فقط من رواتب موظفيها في أكثر من مناسبة، مع تأجيل الباقي إلى ما بعد تحويل الأموال هذه النتيجة تكشف هشاشة الوضع المالي واعتماده المفرط على هذه الأموال المحجوزة.
لكن الأزمة الضريبية المالية لا يمكن فهمها فقط من زاوية الاحتجاز الخارجي للأموال؛ فهناك مشكلة داخلية حقيقية ومتنامية تتمثل في التهرب الضريبي. تشير التقديرات إلى أن حجم التهرب الضريبي في فلسطين قد يتراوح بين 500 مليون إلى نحو مليار دولار سنويا عند احتساب الفجوة بين الضرائب التي كان من المفترض أن يتم تحصيلها والضرائب التي تم تحصيلها فعلياً. نسبة التهرب هذه يمكن أن تصل إلى 30%- 40% من إجمالي الضرائب المستحقة، وهو رقم يعكس ارتفاعا واضحا في ضعف الالتزام الضريبي وعدم فعالية آليات التحصيل. هذا الفارق بين ما كان ينبغي تحصيله فعليا وما يتم تحصيله يعكس نزيفا سنويا متواصلا يضعف الموازنة العامة بصورة جسيمة.
وتكمن جذور التهرب الضريبي في فلسطين، إلى حد كبير، في القوى الاقتصادية الكبرى والقطاعات الاحتكارية. غالبية الشركات التي تتمتع بمواقع احتكارية في قطاعات حيوية مثل الاتصالات، الوكلاء الحصريين لاستيراد السلع الأساسية، والمواد المدعمة، والخدمات التي تخضع لصيغ اتفاقيات حصرية، هي الجهات التي تستفيد من أساليب وحيل متعددة لتقليل الالتزامات الضريبية. ومن أبرز الأساليب المستخدمة التضخيم المتعمد للنفقات لتقليل الأرباح المعلنة وبالتالي إجمالي الضريبة المستحقة، كما تستخدم بعض الشركات هيكليات معقدة من الشركات الوسيطة أو الفروع في الخارج لتحويل الأرباح وتقليل العبء الضريبي المحلي. وهناك أيضا التلاعب بالفواتير في عمليات الاستيراد واستخدام ثغرات قانونية متعددة للحصول على إعفاءات أو حوافز غير مستحقة أو مبالغ فيها.
كل هذه الممارسات ليست مجرد تجاوزات تقنية؛ فهي ترتكب عبر كيانات اقتصادية قوية ذات نفوذ وتأثير سياسي واقتصادي، ما يجعل جهود الحكومة لجمع الضرائب الفعلية بين ما يترتب عليها من صعوبات تنظيمية وتشريعية. التهرب هنا لا يعني فقط ضربا لقواعد العدالة المالية، بل يعكس هيكلا اقتصاديا غير متوازن حيث يستفيد جزء صغير من النظام في حين يتحمل الغالبية العبء الأكبر من الضرائب.
ويشكل هذا التهرب الضريبي تهديدا مباشرا للاستقرار المالي للسلطة الفلسطينية التي تعتمد إلى حد كبير على الإيرادات المحلية وأموال المقاصة لتغطية جزء هام من مصروفاتها، لا سيما رواتب الموظفين العموميين والخدمات الأساسية. خسارة مئات الملايين سنويًا لصالح تهرب ضريبي يضعف قدرة الموازنة على الوفاء بالتزامات أساسية مثل الأجور، الخدمات الصحية، التعليم، والبنية التحتية. كما يزيد من الاعتماد على الاقتراض المحلي، ما يؤدي إلى تراكم أعباء مالية إضافية على الخزينة العامة نتيجة الفوائد والتزامات الدين.
من جانب آخر، فإن فجوة التحصيل الضريبي تؤدي إلى انعكاسات اقتصادية وتشغيلية أوسع. فالحكومة في محاولة لتعويض الفجوة، قد تلجأ إلى زيادة الضغوط الضريبية على الشركات الصغيرة والمتوسطة أو الأفراد، ما يخلق بيئة اقتصادية غير مواتية ويعوق النمو الاقتصادي. كما يمكن أن يؤدي إلى تقليص الخدمات العامة أو زيادة العجز المالي، وهو ما ينعكس سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين ويساهم في تفاقم البطالة والفقر.
إن التداعيات لا تقتصر على الاقتصاد الكلي فقط، بل تمتد إلى الشرعية المالية والسياسية للسلطة الفلسطينية. في ظل عجز عن دفع الرواتب كاملة، وتقليص الاستثمار في الخدمات الأساسية، وتراجع النمو الاقتصادي، يزداد الإحباط بين المواطنين، ما يمكن أن يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات الوطنية. هذا بدوره قد ينعكس في ضغوط اجتماعية وسياسية على السلطة، ويضعف قدرتها على مواجهة تحديات أكبر في المستقبل.
لذلك، من الضروري أن تعمل السلطة الفلسطينية، بالتوازي مع الضغط الدولي لإنهاء احتجاز أموال المقاصة، على إصلاح داخلي شامل في النظام الضريبي. يتطلب ذلك تعزيز قدرات دائرة الضرائب في وزارة المالية، وتحديث التشريعات الضريبية، والقضاء على الثغرات التي تستغلها الشركات الكبرى، وتحسين نظم الرقابة والتحقيق الضريبي. كما يحتاج الأمر إلى تعزيز الشفافية والحوكمة الرشيدة لبناء ثقة أكبر بين المكلفين والدولة، ما قد يحفز الالتزام الطوعي.
تبقى الأزمة المالية الفلسطينية معقدة ومتعددة الجوانب، لكنها في جوهرها تعكس تركيبة من عوامل خارجية وداخلية تتقاطع لتضعف اقتصاد فلسطين وتقوض جهودها نحو الاستقرار والتنمية. معالجة التهرب الضريبي المنهجي خصوصا من قبل الشركات الكبرى ليست رفاهية بل ضرورة استراتيجية لتعزيز قدرة الدولة على وقف النزيف المالي وبناء أساس مالي قوي يضمن الخدمات الأساسية ويعزز صمود المجتمع الفلسطيني في وجه الضغوط الاقتصادية الحادة.

