الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:53 AM
الظهر 11:53 AM
العصر 3:05 PM
المغرب 5:37 PM
العشاء 6:52 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

هاكابي، من قتل 175 مليون ضحية بريئَة، لا يجوز أن يتحدث عن القيم

الكاتب: د. محمد عودة

ليس جديدًا أن يخرج سياسي أمريكي ليحدّث العالم عن "أرض الميعاد"، وكأن التاريخ توقّف عند سفرٍ قديم، وكأن الجغرافيا تنتظر ختمًا لاهوتيًا كي تُصبح شرعية. الجديد هو هذا الإصرار المتكرر على تجاهل شعب حيّ يعيش على الأرض، ويُراد اختزاله في هامش رواية مزيفة هدفها استعماري. مايك هاكابي لا يتحدث هنا بوصفه واعظًا في كنيسة، بل بوصفه سياسيًا يتبنّى رواية دينية ليعيد تعريف واقع قانوني قائم. حين يصرّ على استخدام مصطلح "يهودا والسامرة" بدل الضفة الغربية، فهو لا يختار مفردة بريئة، بل يحاول أن يستبدل القانون الدولي بقراءة توراتية انتقائية ومتناقضة، وأن يعيد توصيف الاحتلال بوصفه تحقيقًا لوعد أيضًا مشكوك في تفسيراته.

السؤال الذي يتم القفز عنه دائمًا هو: لمن كان الوعد أصلًا؟ بحسب الروايات الدينية، الوعد وُجّه إلى إبراهيم. وإبراهيم لم يكن "يهوديًا" بالمعنى القومي الذي تشكّل بعده بقرون، ولم يكن حامل هوية سياسية حديثة، بل كان أبًا جامعًا تفرعت من ذريته شعوب متعددة عبر إسحاق وإسماعيل. فإذا كان الوعد قد ارتبط باسم إبراهيم، فكيف تحوّل إلى احتكار سياسي حديث يُقصي جزءًا من ذريته المفترضة عن الأرض نفسها؟ كيف يُستدعى اسم الأب الجامع لتبرير إبعاد أبناءٍ آخرين من المشهد؟

ثم إن مفهوم السامية ذاته توصيف لغوي حضاري يشمل العرب واليهود معًا، لا امتيازًا مغلقًا لجماعة دون أخرى. التاريخ لم يكن خطًا عرقيًا مستقيمًا، بل تداخلًا بشريًا مستمرًا، وهجرات، وتحولات، وامتزاجًا عبر القرون. أما إسقاط مفاهيم قومية حديثة على نصوص قديمة، ثم تحويلها إلى سند سياسي حصري، فذلك تأويل معاصر يخدم مشروعًا سياسيًا أكثر مما يعكس جوهرًا دينيًا.

حتى داخل النصوص نفسها، لم يكن الوعد مطلقًا بلا شرط. كان مرتبطًا بالعدل، وبالاستقامة، وبالمسؤولية الأخلاقية. لم يكن شيكًا مفتوحًا عبر الزمن، ولا رخصة أبدية تُستخدم خارج سياقها. وإذا كانت النصوص تُستدعى اليوم لتبرير الضمّ والاستيطان، بينما تُهمَّش نصوص أخرى من المصدر ذاته تدعو إلى العدل والرحمة وحقوق الغريب، فنحن أمام انتقائية سياسية لا أمام التزام ديني. وإذا تناقضت القراءات حتى صار النص الواحد يُستخدم لتبرير الشيء ونقيضه، فالمشكلة ليست في الإيمان، بل في تحويل النص إلى أداة صراع دنيوي. الدين، في جوهره، لا يقوم على التناقض، ولا يتحول إلى سلاح لنزع حق إنساني ثابت.

فلنفترض جدلًا أن نصًا دينيًا يمنح وعدًا جغرافيًا. منذ متى كانت النصوص الدينية مصدرًا للسيادة في النظام الدولي الحديث؟ العالم اليوم لا تُرسم حدوده بالأسفار القديمة، بل بالمواثيق والقرارات الدولية. منذ عام 1967، والضفة الغربية تُعرَّف قانونيًا كأرض محتلة وفق قرارات الأمم المتحدة، وأكدت محكمة العدل الدولية هذا التوصيف في آرائها القانونية. وهذا التأكيد لا يُلغيه تغيير المصطلحات، ولا يبدّله استدعاء اسم توراتي. الاحتلال لا يتحول إلى تحرير بمجرد إعادة تسمية الأرض.

أخطر ما في خطاب "أرض الميعاد" أنه يتعامل مع فلسطين وكأنها كانت أرضًا معلّقة خارج الزمن، تنتظر عودة أصحاب الامتياز التاريخي. لكن هذه الأرض لم تكن يومًا بلا ناس. تعاقبت عليها حضارات، وسكنت فيها شعوب، وتشكل فيها وعي وهوية وتاريخ اجتماعي وثقافي متصل. الفلسطيني ليس طارئًا على الجغرافيا، بل هو ابنها. وإذا فتحنا باب السبق التاريخي، فلن يبقى حجر على حجر في هذا العالم؛ كل أرض مرّت عليها أمم، فهل نعيد رسم الخرائط على أساس آلاف السنين، أم نعترف أن الحق السياسي في العصر الحديث يقوم على الواقع الإنساني والقانوني لا على استحضار سرديات منتقاة؟

ليؤمن من يشاء بما يشاء؛ الإيمان شأن روحي. لكن تحويل الإيمان إلى أداة لإعادة تعريف الجغرافيا، وإلى مبرر لإقصاء شعب، هو انتقال من دائرة العقيدة إلى دائرة الهيمنة. فحين يُستخدم الوعد الإلهي لتبرير مصادرة الأرض ونفي الآخر، فإن القداسة تتحول إلى غطاء للظلم.

الحقيقة التي يحاول هذا الخطاب تجاوزها بسيطة وواضحة: الأرض لا تُملَك بالنصوص وحدها، بل بالعيش عليها، وبالارتباط العضوي بها، وبالحق الإنساني والقانوني المعترف به، والشعوب لا تُلغى بآية، ولا تُمحى بتصريح سياسي، ولا تختفي لأن رواية ما قررت تجاهلها. فلسطين ليست فكرة معلّقة في السماء، بل وطن حيّ لشعب حيّ، والتاريخ لا يُعاد كتابته بعبارة لاهوتية، مهما ارتفع صوت من يرددها. الفلسطينيون أقدم بآلاف السنين من كل الأديان.

السيد مايك هاكابي، الذي يمثل دولة أبادت ما يربو على 175 مليون إنسان ذنبهم الوحيد أنهم أهل الأرض وأنهم مختلفون عن المستعمر، لا يملك من القيم والأخلاق ما يخوله ليقدّم فتاوى ونصائح سياسية. فهو لا يمكن أن يكون القدوة التي تُعلّم الآخرين، فمن أراد أن يُعلّم الآخرين، فليبدأ بنفسه أولًا، قبل أن يحاول فرض رؤيته المنحرفة على شعب حيّ يعيش على أرضه منذ عشرات آلاف السنين.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...