نابلس بين التزكية وصندوق الاقتراع ،،، كلمة توضيح واجبة.
الكاتب: د. ياسر أبوبكر
تلقيتُ كماً كبيراً من التعليقات بعد تهنئتي للمجلس البلدي الجديد في نابلس. بعض هذه التعليقات كان غاضباً، وبعضها ناقداً بحدة، وبعضها متفهماً، وأخرى رأت في التزكية حلاً اضطرارياً. وأحترم كل الآراء، لأن نابلس مدينة حيّة، وأبناؤها لا يقفون على الحياد عندما يتعلق الأمر بالشأن العام.
لكن أمام حجم الالتباس، كان لا بد من توضيح هادئ ومسؤول.
أولاً: هل التزكية خروج عن الديمقراطية؟
القانون الانتخابي واضح: تبدأ العملية بفتح باب الترشح. إذا تقدمت أكثر من قائمة، يذهب الناس إلى صندوق الاقتراع للفصل بينها. أما إذا لم تتقدم سوى قائمة واحدة مستوفية للشروط، فإن فوزها بالتزكية هو نتيجة انتخابية منصوص عليها قانوناً.
صندوق الاقتراع وسيلة للفصل بين المتنافسين، وليس طقساً رمزياً بحد ذاته. وعندما لا يوجد تنافس، لا يُلغى القانون، بل تُعلن النتيجة وفق ما يسمح به.
ثانياً: من منع الناس من الترشح؟
الباب كان مفتوحاً. المدد كانت معلنة. الإجراءات معروفة.
لم يُمنع أحد قانونياً من تشكيل قائمة.
إذا كان هناك عزوف سياسي أو اجتماعي، فهذا موضوع يستحق نقاشاً أعمق، لكن لا يجوز تحويل العزوف إلى اتهام بالاستبداد دون دليل على منع أو إقصاء قانوني.
ثالثاً: هل يجوز ترك الفراغ؟
نابلس ليست لجنة طلابية، ولا مؤسسة رمزية.
بلدية نابلس جهاز يدير خدمات يومية تمس حياة الناس مباشرة: مياه، نظافة، تنظيم، بنية تحتية.
الفراغ الإداري في مدينة بحجم نابلس أخطر من أي جدل سياسي.
استمرارية المرفق العام أصل قانوني لا يجوز العبث به.
رابعاً: مسألة "الثقة الشعبية"؟
صحيح أن أعلى درجات التفويض الشعبي تكون عبر الاقتراع المباشر.
لكن عندما لا يوجد منافس، فغياب صندوق الاقتراع لا يعني غياب الإجراء القانوني.
الشرعية هنا إجرائية وقانونية، أما الشرعية السياسية والمعنوية فتبنى بالأداء.
وأقولها بوضوح: المجلس أمام مسؤولية مضاعفة، لأنه لم يأتِ عبر منافسة انتخابية.
وعليه أن يعوض ذلك عبر:
* برنامج مكتوب ومعلن للناس.
* جدول زمني واضح للتنفيذ.
* شفافية مالية كاملة.
* فتح باب المساءلة المجتمعية.
هنا فقط تتحول الشرعية القانونية إلى ثقة حقيقية.
خامساً: بين النقد والتوصيف؟
من حق أي مواطن أن يقول: "كنت أفضل انتخابات".
ومن حق آخر أن يرى التزكية حلاً واقعياً.
لكن وصف ما جرى بأنه "ديكتاتورية" يفترض وجود منع قسري للترشح أو إلغاء متعمد لإجراءات قانونية، وهذا لم يحدث إجرائياً.
الخلاف هنا سياسي في تقييم المشهد، وليس قانونياً في أصل الإجراء.
أخيراً،
أنا لا أكتب دفاعاً عن أشخاص، ولا أهاجم أحداً.
أنا أؤمن أن المؤسسات لا تُدار بالعواطف، بل بالقانون والاستمرارية.
والحكم النهائي لن يكون لي ولا لغيري ...
بل لأهل نابلس أنفسهم، من خلال ما سيرونه على الأرض.
إن أحسن المجلس، سيكسب ثقة الناس بالفعل.
وإن أخفق، فالمساءلة الشعبية والسياسية قائمة.
نابلس أكبر من أي قائمة، وأكبر من أي جدل.
والمدينة التي سُمّيت جبل النار لا تخاف النقاش ،،، لكنها تحتاج اليوم إلى عمل جاد ومسؤول.

