من النكبة إلى الحرب على غزة: الإبادة بهدف الاقتلاع والتهجير كاستراتيجية للاحتلال
الكاتب: وليد العوض
** ليست غزة سوى الفصل الأحدث في تاريخ طويل من الإبادة والاقتلاع الذي بدأ مع نكبة عام 1948 وما زال يتواصل حتى اليوم.
*من النكبة إلى الحرب على غزة: الإبادة بهدف الاقتلاع والتهجير كاستراتيجية للاحتلال
لم يعد الربط بين نكبة عام 1948 وما يجري اليوم في قطاع غزة مجرد مقارنة تاريخية أو قراءة سياسية، بل أصبح تعبيرًا عن استمرارية نهج واحد يقوم على الإبادة بهدف الاقتلاع والتهجير. فما يتعرض له الشعب الفلسطيني اليوم من قتل واسع وتدمير منهجي وتجويع ونزوح جماعي يعيد إلى الواجهة الأسئلة القديمة حول طبيعة المشروع الاستعماري الذي قام منذ بدايته على فكرة إفراغ الأرض من سكانها الأصليين وإعادة تشكيل واقعها الديمغرافي بالقوة.
وفي هذا السياق تكتسب الوثائق التاريخية التي تتكشف تباعًا عن أحداث النكبة أهمية خاصة، لأنها تسلط الضوء على السياسات التي رافقت قيام دولة الاحتلال. فقد كشفت مادة تحقيقية مطوّلة نشرها المؤرخ الإسرائيلي آدم راز في صحيفة “هآرتس” في 27 شباط/فبراير 2026 عن مجموعة وثائق وأوامر عسكرية نادرة تعود إلى حرب عام 1948، وتعيد طرح السؤال الذي ظلّ موضع جدل طويل في الرواية الإسرائيلية: هل غادر الفلسطينيون ديارهم طوعًا، أم جرى تهجيرهم بالقوة؟
تكشف هذه الوثائق، التي عُثر عليها مصادفة في أرشيف خاص لأحد جنود لواء “غولاني”، صورة مختلفة عمّا درجت عليه الرواية الرسمية في إسرائيل. فالأوامر العسكرية والشهادات التي تضمنها الأرشيف تشير بوضوح إلى أن العنف الممنهج، بما في ذلك القتل والترهيب وتدمير القرى، كان جزءًا من سياسة هدفت إلى إفراغ المناطق التي احتُلّت وتهجير سكانها الفلسطينيين.
الوثائق التي تناولها التحقيق تضم أوامر مكتوبة لقادة الوحدات العسكرية حول كيفية التعامل مع القرى العربية بعد احتلالها. وتتضمن هذه الأوامر تعليمات صريحة بإطلاق النار على السكان في حالات متعددة، وفرض عقوبات جماعية على القرى، بل وتدميرها بالكامل في بعض الأحيان. كما تشير إلى أوامر بقتل كل من يُعثر عليه حيًا في بعض المناطق، أو إطلاق النار على من لا يغادر من السكان.
وتكشف شهادات ضباط كبار في جيش الاحتلال آنذاك أن عمليات القتل والترهيب لم تكن حوادث معزولة أو تصرفات فردية، بل كانت جزءًا من أسلوب عمل ميداني هدفه دفع السكان إلى الرحيل. فقد أقرّ بعض الضباط بأن طرد عشرات الآلاف من الفلسطينيين من مناطق مثل الجليل أو من مدن كبرى كاللد والرملة لم يكن ممكنًا دون خلق حالة من الخوف الجماعي. وبعبارة أكثر وضوحًا، كما ورد في إحدى الشهادات: “لم يكن بالإمكان طرد هذا العدد الكبير من الناس دون استخدام قدر كبير من الإرهاب”.
كما تظهر الوثائق أن القتل لم يكن مرتبطًا فقط بمرحلة القتال، بل استُخدم أيضًا لمنع الفلسطينيين من العودة إلى قراهم بعد انتهاء المعارك. فقد صدرت أوامر بإطلاق النار على كل عربي يوجد في المناطق القريبة من خطوط الهدنة، وهو ما يعني عمليًا منع اللاجئين من العودة إلى بيوتهم وأراضيهم.
ولا تقتصر أهمية هذه الوثائق على مضمونها، بل أيضًا على السياق الذي ظهرت فيه. إذ يشير التحقيق إلى أن جزءًا كبيرًا من المواد المتعلقة بحرب 1948 ظلّ مغلقًا في الأرشيف الإسرائيلي لعقود طويلة، ضمن سياسة منهجية هدفت إلى منع الكشف عن الوثائق التي تشير إلى عمليات طرد السكان أو ارتكاب جرائم بحق المدنيين. فالأرشيفات الإسرائيلية تضم ملايين الملفات، لكن القسم الأكبر منها لا يزال غير متاح للباحثين أو للجمهور
هذا الكشف المتأخر يعيد طرح الأسئلة الأساسية حول النكبة الفلسطينية عام 1948، التي أدت إلى تهجير نحو 800 ألف فلسطيني آنذاك وتدمير مئات القرى. فبينما رُوّج لسنوات طويلة أن السكان غادروا نتيجة ظروف الحرب أو بدعوة من قيادات عربية، تشير الوثائق والشهادات التي تتكشف تباعًا، بما فيها تلك التي كشف عنها آدم راز، إلى أن التهجير كان نتيجة مباشرة لسياسات عسكرية اعتمدت على الإعدامات المباشرة والعنف والترهيب وارتكاب مجازر جماعية لإجبار الناس على الرحيل وتغيير الواقع الديمغرافي.
ولا تقتصر أهمية هذه الشهادات على إعادة قراءة الماضي، بل تكتسب دلالة خاصة في ظل ما يجري اليوم في قطاع غزة. فالكثير من المراقبين يرون أن السياسات التي كشفت عنها وثائق عام 1948 تعود اليوم بأشكال مختلفة في الحرب المدمرة التي ما زالت متواصلة على القطاع.
فحرب الإبادة التي شنها الاحتلال على غزة منذ أكثر من عامين لم تقتصر على العمليات العسكرية فقط، بل رافقها تدمير واسع للأحياء السكنية والبنية التحتية وسقوط أعداد هائلة من الضحايا، فيما لا تزال آلاف الجثامين تحت الأنقاض. كما وثّقت تقارير متعددة حوادث إعدام ميداني واستهدافًا لعائلات بأكملها، في وقت أصرّ فيه كثير من السكان على البقاء في مناطقهم رغم القصف والحصار، إلى جانب استخدام التجويع على نطاق واسع كأداة فتاكة ضد المدنيين.
وقد أدى ذلك إلى نزوح جماعي واسع داخل قطاع غزة، حيث ما زال مئات الآلاف يعيشون في الخيام ومراكز الإيواء، بينما يمنع الاحتلال عودتهم إلى بيوتهم المدمرة في المناطق التي ما زال يسيطر عليها في القطاع، بعد أن فشل في فرض تهجيرهم إلى الخارج. وقد شكّلت موجة التهجير هذه واحدة من أكبر موجات التهجير القسري في التاريخ الفلسطيني المعاصر.
وفي الوقت ذاته طُرحت مرارًا، وما تزال، في الخطاب السياسي الإسرائيلي أفكار تتعلق بترحيل السكان أو دفعهم إلى مغادرة القطاع، وهو ما يعيد إلى الأذهان منطق “إفراغ الأرض” الذي تشير إليه وثائق النكبة.
وبينما تختلف السياقات التاريخية بين عام 1948 واليوم، فإن التشابه في بعض السياسات يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة الصراع واستمرارية أنماطه. ففي الحالتين يظهر استخدام القوة العسكرية ليس فقط لتحقيق أهداف ميدانية، بل أيضًا لإحداث تغيير ديمغرافي وجغرافي على الأرض.
إن نشر مثل هذه الوثائق بعد مرور ما يقارب ثمانية عقود على حرب 1948 لا يغيّر فقط فهم الماضي، بل يسلّط الضوء أيضًا على جذور السياسات التي ما زالت تؤثر في الحاضر. فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يبدأ في السابع من أكتوبر، بل يمتد لأكثر من قرن من الزمن، وكانت نكبة عام 1948 إحدى أبرز محطاته المفصلية.
لذلك فإن قراءة ما كشفه تحقيق “هآرتس” تذكّر بأن النكبة لم تكن مجرد حدث تاريخي انتهى قبل عقود، بل لحظة تأسيسية ما زالت تداعياتها مستمرة حتى اليوم. وما يحدث في غزة يعيد طرح السؤال ذاته الذي طرحه التاريخ مرارًا: هل يمكن فرض الأمن والاستقرار بالقوة وحدها بمعزل عن تحقيق العدالة، أم أن تجاهل حقوق شعب كامل سيبقي الصراع مفتوحًا مهما طال الزمن؟
6 مارس 2026

