رمضان بين زمن الجماعة وعصر الفرد: هل تغيّر الشهر أم تغيّر الإنسان؟
الكاتب: د. ياسر أبو بكر
لم يكن رمضان، في ذاكرة المجتمعات العربية، مجرد شهرٍ للامتناع عن الطعام والشراب، بل كان زمنًا لإعادة بناء الإنسان داخل الجماعة. لم يكن الصيام تجربة فردية معزولة، بل ممارسة اجتماعية تُعيد تشكيل العلاقات، وتُرمّم ما أفسدته شهور الانشغال والتنافس والانقسام. كان رمضان، بمعناه الأعمق، مشروعًا لإعادة إنتاج المجتمع نفسه، لا مجرد مناسبة دينية تتكرر في التقويم، بل لحظة سنوية يُعاد فيها تعريف الإنسان، لا بوصفه فردًا فقط، بل بوصفه جزءًا من نسيج إنساني أوسع.
في ذاكرة الطفولة، لم يكن رمضان يبدأ عند أذان الفجر، بل عند أول شعور غامض بأن الزمن نفسه قد تغيّر. كان الأطفال، أكثر من غيرهم، يدركون أن شيئًا استثنائيًا يحدث. كانوا يرون رمضان لا بوصفه امتناعًا، بل بوصفه امتلاءً: امتلاءً بالأصوات، بالأنوار، بالوجوه، وبذلك الدفء الذي لا يمكن تفسيره بالكلمات. رمضان، في حقيقته، يجد معناه الأكثر صفاءً عند الصغار، لأنهم يعيشونه دون وسائط، دون حسابات، ودون ذلك التباعد الذي يصنعه العالم الحديث بين الإنسان ومعناه.
وأكاد، وأنا أستعيد تلك الذاكرة، أحنّ بشدة إلى الكويت، حيث عشت كل طفولتي، وهناك تعلّمت أن رمضان ليس مجرد زمن عبادة، بل زمن حياة. لا تزال عادة "القرقيعان"، في منتصف الشهر، تسكنني كواحدة من أجمل صور الطفولة وأكثرها اكتمالًا. كنا، نحن الأطفال، نرتدي ملابسنا التراثية، ونخرج بعد الإفطار إلى الأزقة، نحمل أكياسًا صغيرة ونطرق الأبواب، لا بدافع الحاجة، بل بدافع الانتماء. كانت الأبواب تُفتح بمحبة، وكانت الحلوى تُمنح بسخاء، لكن ما كان يُمنح حقًا لم يكن الحلوى، بل الاعتراف بنا كجزءٍ من هذا المكان. كانت أصواتنا الصغيرة، وهي تردد أناشيد القرقيعان، تعلن أن رمضان ليس تجربة فردية، بل حالة جماعية يعيشها الجميع. كان الحيّ يتحول إلى كائن حيّ، وكان الإنسان يشعر، للمرة الأولى ربما، أنه ليس وحده في هذا العالم.
ذلك لأن رمضان، في جوهره، لم يُشرّع فقط لضبط علاقة الإنسان بجسده، بل لإعادة ضبط علاقته بالآخرين. الصيام لم يكن مجرد تدريب على الحرمان، بل تدريب على الإحساس بالآخر، وعلى كسر وهم الاكتفاء بالذات. كان يُعيد الإنسان إلى موقعه الطبيعي: كائنًا يعيش مع الآخرين، لا بمعزل عنهم.
لكن في فلسطين، يأخذ رمضان معنى أكثر عمقًا وقسوة في آنٍ واحد. هنا، لا يأتي الشهر دائمًا محاطًا بالاكتمال، بل كثيرًا ما يأتي محاطًا بالغياب. هناك بيوت يُفطر فيها طبق ناقص، لأن صاحب المكان خلف القضبان. وهناك أمهات ينظرن إلى مقاعد فارغة وكأنهن يرفضن الاعتراف بأن الغياب أصبح واقعًا. وفي السجون، حيث عشت هذه التجربة بكل تفاصيلها، يصبح رمضان حدثًا مختلفًا تمامًا. لا لأن الألم أقل، بل لأن المعنى يصبح أكثر وضوحًا. الأسير لا يستقبل رمضان كطقسٍ عابر، بل كنافذة تطل على الحياة التي سُلبت منه. عند أذان المغرب، لا يفكر فقط في الطعام، بل في أمه التي ربما تنظر إلى الساعة ذاتها، وفي بيته الذي يعيش اللحظة نفسها. يصبح الصيام رابطًا صامتًا بينه وبين العالم، لغة مشتركة تتجاوز الجدران. في تلك اللحظة، يدرك الأسير أن السجن يستطيع أن يقيّد الجسد، لكنه يعجز عن أن يقيّد المعنى. وأن رمضان، في جوهره، ليس ظرفًا خارجيًا، بل حالة داخلية، قدرة الإنسان على أن يظل إنسانًا، رغم كل شيء.
لكن خارج السجن أيضًا، تغيّر الكثير.
في زمننا، أصبح من الممكن أن يصوم الإنسان دون أن يلتقي بأحد، وأن يُتمّ رمضان كاملًا دون أن يعيش تجربته الجماعية. دخلت الفردانية بهدوء، لا بوصفها فكرة فلسفية، بل كأسلوب حياة. أصبحت الشاشات وسيطًا بدل المجالس، والاستهلاك بدل المشاركة، والعزلة بدل اللقاء. لم تختفِ الطقوس، لكنها فقدت كثيرًا من وظائفها الاجتماعية. بقي الشكل، لكن المعنى تراجع. أصبح رمضان، في كثير من الأحيان، تجربة يعيشها الإنسان داخل ذاته، بدل أن يعيشها داخل مجتمعه.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: رمضان لم يتغيّر، لكن الإنسان تغيّر. لم يفقد الشهر قدرته على إعادة بناء الروح، لكن الإنسان أصبح أقل استعدادًا لأن يُعاد بناؤه. لقد أصبحنا نعيش أكثر داخل ذواتنا، وأقل داخل علاقاتنا.
ومع ذلك، لا يزال رمضان يحمل إمكانية الاستعادة.
ربما لأن معناه الحقيقي لم يكن يومًا في الطقوس وحدها، بل في تلك اللحظات الصغيرة التي تعيد الإنسان إلى نفسه الأولى: حين يركض طفل في ليلة القرقيعان وهو يشعر أن العالم يحتفي به، وحين يجلس أسير خلف القضبان ويشعر أنه لا يزال جزءًا من حياة لم تستطع الجدران أن تنتزعها منه، وحين تجتمع عائلة حول مائدة، لا لأن الطعام وفير، بل لأن المعنى حاضر.
السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان رمضان قد تغيّر، بل ما إذا كنا نحن قد ابتعدنا عن معناه. لأن رمضان، في جوهره، ليس شهر الجوع، بل شهر الاستعادة: استعادة الإنسان لعلاقته بالآخر، استعادة المجتمع لذاكرته، واستعادة الروح لقدرتها على مقاومة العزلة.
وربما لهذا السبب، يبقى رمضان حيًا في ذاكرة الأطفال، وفي قلوب الأسرى، وفي حنين الذين عرفوه يومًا كزمنٍ للجماعة. لأنه، ببساطة، ليس شهرًا نعيشه فقط ،،، بل شهرًا يعيد إلينا معنى أن نكون معًا.

