كي لا تضيع البلاد
الكاتب: عدنان ملحم
يتوجب إقناع جميع المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بأننا شعب يقع تحت سيطرة أشرس احتلال استيطاني إحلالي صهيوني؛ تسيطر قواته الأمنية والعسكرية على كامل الأرض الفلسطينية، وعلى الشعب الفلسطيني المقيم عليها، وعلى الأموال والمقدرات الاقتصادية الفلسطينية.
وأنه قتل ودفن اتفاقيات أوسلو بعد خمس سنوات فقط من التوقيع عليها.
وأنه يرى فلسطين كلها جزءاً لا يتجزأ من مشروع إسرائيل الكبرى الممتد من النيل إلى الفرات، ويعمل على إخراجها من الجغرافيا والتاريخ الفلسطيني، ولا يريد حكماً وطنياً فلسطينياً، ولا وعياً وطنياً فلسطينياً.
وأنه يرغب ويخطط ويحلم بإنشاء حكم يشبه نظام ومهام جيش سعد حداد العميل في جنوب لبنان؛ يتولى حراسة أمن إسرائيل ومستعمراتها ومستعمريها، ويتكفل بإدارة شؤون المقيمين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأن السلطة الوطنية الفلسطينية، بوصفها عنواناً وطنياً فلسطينياً، محاصرة أيضاً… لا تملك هامشاً فوقها ولا تحتها، وممنوع عليها تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها واشنطن وتل أبيب.
وأن الفصائل الوطنية الفلسطينية قد حلت نفسها وذابت داخل النظام السياسي الفلسطيني، وأن مشروعي النضال والسلام الفلسطينيين قد أُدخلا قسراً إلى غرفة الإنعاش، وهما غائبان عن الوعي.
وأن الوحدة الفلسطينية بين أبناء الشعب الفلسطيني وقياداته وفصائله يجب أن تنصهر في بوتقة واحدة ضمن خطط وخطوات متفق عليها، وأن الفشل سيكون مصير أي عمل فلسطيني لا يلتزم بها؛ فنحن نواجه احتلالاً استيطانياً إحلالياً عسكرياً استعمارياً مدعوماً بالمال والقوة.
وأن قرار الوحدة بين الفصائل والقوى الفلسطينية المختلفة ليس بيد الفلسطينيين وحدهم.
وأن الحقيقة الصعبة هي أننا سلطة وشعب ونظام سياسي فلسطيني، نقيم تحت قبضة إسرائيل.
وأن عمقنا العربي مثقل بأزماته، والعالم الإسلامي غارق في ضعفه، والأوروبي عاجز، والعالم يتوارى خلف جبنه ومصالحه.
والحل بسيط: تغيير مهمة السلطة الوطنية الفلسطينية من مسار يسير نحو الدولة إلى مسار يكون هدفه الأساس ترسيخ الصمود في الأرض الفلسطينية، وتوفير كل المقومات لهذا الهدف، من أجل إسقاط مخططات التهجير والطرد والتذويب.
غيروا مهام السلطة… وسعوا مجالات الحكم والشورى والقرار… غيروا مهام الوزارات.
شكلوا حكومة طوارئ من أقل من عشر وزارات.
فالفقراء الجوعى الخائفون المهمشون المظلومون لا يصنعون الحريات؛ بل يحرسون مزارع الآخرين ويصفقون لمن يملك السيف والنفوذ.
أعيدوا استحضار قادة ومسؤولين من مدرسة الانتفاضة الأولى، ومن جيل القطاع الغربي صاحب التجربة الوطنية المباشرة في أرض المعركة الحقيقية بين المشروعين الفلسطيني والصهيوني.
أعيدوا بناء جسور الثقة والاحترام والحياة والعدالة والمساواة بين أركان النظام السياسي والحكومي والوطني والمجتمعي الفلسطيني، وبين قطاعات الناس في جميع أماكن وجودهم.
رام الله في وادٍ، والشعب في وادٍ آخر؛ الأرض تضيع، والناس مخدَّرون خلف سجون الفقر والجوع والبطالة والفساد. وبغير ذلك سيظل النزيف الوطني مستمراً، وستظل اللامبالاة وفقدان الثقة سيدة المكان والزمان.
وستظل تل أبيب وواشنطن تضحكان على حسابنا، بينما يتقدم المشروع الصهيوني خطوة بعد أخرى حتى تقوم إسرائيل الكبرى على ما يتبقى من الأرض الفلسطينية. سنُساق في النهاية إلى القبول بمشروع صفقة القرن سيئة السمعة والصيت: حكمٍ ذاتيٍ ضيقٍ ومحاصر، خلف بوابات وحواجز وجدران ومستعمرات ومستعمرين يطوقونه من كل جانب. وعندها، سنكتشف متأخرين أن المشروع الوطني الفلسطيني قد تُرك وحيداً… بلا سندٍ ولا حلفاء.

