المُقاوَمَةُ الشَّعْبِيَّةُ السَّلْمِيَّةُ المُسْتَدَامَةُ ضَرُورَةٌ لِتَعْزِيزِ صُّمُودِ الشَّعْبِ الفِلَسْطِينِيِّ
الكاتب: د. محمد أبو عودة
في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين وغياب الفعل الأممي، يصبح ابتكار برنامج مقاومة شعبية سلمية أمرًا لا مفرّ منه، ليس فقط كوسيلة رد فعل، بل كضرورة لحماية المجتمع وضمان استمراريته. فالمجتمع الذي يفتقر إلى تنظيم ذاتي قادر على مواجهة الاعتداءات يظل عرضة للخطر والفوضى، بينما يوفر البرنامج إطارًا عمليًا يمكن من خلاله حماية الأفراد والمجتمع، عبر تحويل السلمية إلى قوة فاعلة وواقعية مقبولة عالميًا ومحمية بالقانون الدولي.
حين نتأمل تجارب المقاومة الشعبية السلمية عبر التاريخ، من مهاتما غاندي في الهند إلى مارتن لوثر كينغ جونيور في الولايات المتحدة، مرورًا بتجربة نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، وصولًا إلى حركات أوروبا الشرقية، يتبيّن أن السلمية لم تكن خيارًا أخلاقيًا طارئًا، بل مشروعًا متكاملًا أعاد تشكيل موازين القوة عبر أدوات دقيقة وبنية تنظيمية واعية. هذه التجارب، رغم اختلاف سياقاتها السياسية والاجتماعية، تلتقي عند حقيقة واحدة: أن القوة لا تُقاس فقط بوسائل الإكراه، بل بقدرة المجتمع على تنظيم ذاته وتحويل حضوره إلى ضغط تراكمي طويل النفس.
غير أن استلهام هذه النماذج لا يعني استنساخها، بل قراءة الفوارق بينها والبناء عليها. فبينما اعتمدت تجربة الهند على تعبئة جماهيرية واسعة في سياق استعماري تقليدي، جاءت تجربة الولايات المتحدة في إطار دولة مؤسساتية حسّاسة للرأي العام، في حين تميّزت جنوب أفريقيا بمزيج معقّد من الضغط الداخلي والعزل الدولي. أما في أوروبا الشرقية، فقد لعب تآكل الشرعية الداخلية دورًا حاسمًا في انهيار الأنظمة. هذه الاختلافات تقودنا إلى ضرورة صياغة برنامج يأخذ في الاعتبار خصوصية الواقع، دون أن يفقد صلته بالقواعد العامة التي أثبتت نجاعتها.
ضمن هذا التصور، المجتمع ليس مجرد حاضنة، بل هو الفاعل الرئيسي، ومن هنا تصبح البنية التنظيمية حجر الأساس، لا بوصفها إطارًا إداريًا جامدًا، بل شبكة حية تجمع بين المركزية في الرؤية واللامركزية في التنفيذ. في قمة هذه البنية تقف قيادة تمتلك وضوحًا استراتيجيًا، تُحدّد الأهداف وتضبط الإيقاع العام دون أن تُثقل الحركة بالتفاصيل اليومية. وتحت هذه القيادة تنشط لجان محلية في المدن والأحياء والقرى والمخيمات، تشكّل العمود الفقري للفعل الميداني بما تملكه من قدرة على الوصول المباشر إلى الناس وفهم خصوصياتهم، وتتكامل معها أطر قطاعية تنظّم الفئات المختلفة من طلبة وعمّال ونقابات وتجّار ونساء، بحيث يتحول كل قطاع إلى مساحة فعل مستقلة نسبيًا لكنها منسجمة مع الإطار العام، وتنبثق في الوقت نفسه وحدات متخصصة تؤدي أدوارًا حيوية تشمل الإعلام لصياغة الخطاب وإدارة الرواية، والتوثيق لتحويل الأحداث إلى أدلة، والعمل القانوني لملاحقة الانتهاكات وبناء العلاقات الخارجية لتوسيع مساحة التأثير. هذه البنية، إذا ما أُحسن تنظيمها، تخلق توازنًا دقيقًا بين الانضباط والمرونة، وهو ما ميّز التجارب الناجحة.
أما على مستوى الأدوات العملية، فإن جوهر البرنامج يقوم على تنويع وسائل الضغط وتكاملها، بحيث لا يعتمد الحراك على أداة واحدة تُستنزف مع الوقت. فالعصيان المدني في صيغته المنظمة يُشكّل أداة لإضعاف القدرة على التحكم عبر الامتناع الجماعي عن الانخراط في السياسات المفروضة، لكنه لا يصبح فاعلًا إلا إذا كان مدروسًا ويمارس بشكل تدريجي تصاعدي قابل للاستمرار. إلى جانبه تأتي المقاطعة الاقتصادية بوصفها وسيلة لإعادة توجيه القوة الاقتصادية، ليس عبر الامتناع عن الاستهلاك فقط، بل من خلال بناء بدائل محلية تعزّز الاستقلال النسبي للمجتمع. الإضرابات بدورها تمثّل أداة حساسة تحتاج إلى دقة في التوقيت والهدف، إذ إن نجاحها مرتبط بقدرتها على إحداث أثر ملموس دون إنهاك القاعدة الشعبية. أما الاحتجاجات الجماهيرية فهي الواجهة العلنية للحراك، لكنها لا تكون فعالة إلا حين تتسم بالانضباط وتُدار ضمن رؤية واضحة، بعيدًا عن العفوية، وفي قلب هذه الأدوات يبرز الإعلام كعنصر حاسم، لا بوصفه ناقلًا للحدث، بل كصانع للمعنى، قادر على تحويل الفعل المحلي إلى قضية رأي عام، كما حدث في أكثر من تجربة تاريخية.
في مواجهة الاعتداءات المباشرة، خصوصًا حين يغيب الفعل الأممي أو يتأخر، تصبح الحماية المجتمعية السلمية جوهرية وحاسمة، حيث يتوزع المجتمع بشكل منظم ليحمي أفراده دون الانزلاق إلى العنف. في هذا الإطار يعمل السكان ضمن منظومة متكاملة تبدأ بفرق إنذار مبكر ترصد أي تحركات مريبة أو مخاطر محتملة وتنبه السكان بسرعة، بينما تتولى فرق الحضور الوقائي تشكيل وجود مدني منظم في النقاط الأكثر حساسية ليكونوا حاضرَين كحاجز سلمي دون احتكاك مباشر، فيما تتابع وحدات التوثيق كل حادثة وتحوّلها إلى دليل واضح يمكن استخدامه إعلاميًا وقانونيًا، فتظل الاعتداءات معلنة وموثقة ويصعب تجاهلها، وفي الوقت نفسه تعمل فرق الإسناد على تقديم الدعم الفوري والإخلاء أو الإسعاف عند الحاجة، مما يضمن أن كل فعل عدائي ينقلب ضد المعتدي.
البرنامج لا يكتمل دون التدريب والانضباط، فالسلمية ليست سلوكًا عفويًا بل مهارة تُكتسب، تتطلب إعدادًا مسبقًا، محاكاة سيناريوهات، وتحديد قواعد واضحة في الميدان، مع وجود منسقين قادرين على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة وتوجيه الحراك بما يحفظ تماسكه. وفي موازاة ذلك يكتسب بناء البدائل الاقتصادية والاجتماعية أهمية مضاعفة، إذ يمنح المجتمع قوة إضافية ويقلّل من هشاشته أمام أي ضغط خارجي، ويحوّل المقاومة من مجرد احتجاج إلى مشروع حياة متكامل
إن غياب الحماية الدولية يفرض ابتكار فعل وطني مستقل، فحين لا يكون التدخل الدولي متاحًا، يصبح المجتمع نفسه صاحب المبادرة والقدرة على تحويل كل انتهاك إلى قضية وضغط مستمر مع المحافظة على السلمية والانضباط الداخلي. وهكذا يتحول الفعل الوطني إلى قوة حقيقية، قادرة على إحداث تغيير تدريجي وإجبار العالم، ولو متأخرًا، على التفاعل معها تحت وطأة الوقائع لا مجرد النداءات.
وتكتمل الصورة بخاتمة عملية، حيث يتحول كل ما سبق إلى خطة فعلية يمكن اعتمادها على الأرض، تبدأ بتحديد القيادة وتنظيم المسؤوليات، ثم تشكيل لجان محلية وقطاعية قادرة على إدارة الفعل اليومي والتواصل مع مختلف الفئات، فيما تُشرف وحدات متخصصة على الإعلام والتوثيق والقانون والعلاقات الخارجية لضمان أن كل حدث يحصل على صدى واسع ومرجعية واضحة. ويعمل البرنامج على توظيف أدوات الضغط المتنوعة من العصيان المدني المنظم والمقاطعة الاقتصادية والإضرابات والاحتجاجات الجماهيرية الانضباطية، بحيث تتكامل هذه الوسائل لتخلق ضغطًا تراكميا مستمرًا دون استنزاف المجتمع، مع تدريب المشاركين على ضبط النفس والانضباط وتطبيق سيناريوهات مواجهة الاستفزازات دون الانزلاق إلى العنف وحماية أنفسهم ومجتمعهم ضمن منظومة الحماية المجتمعية السلمية. وفي الوقت نفسه، يتم بناء بدائل اقتصادية واجتماعية داخلية تعزّز صمود المجتمع وتمكّنه من الاستمرار في الفعل، بحيث يتحوّل كل انتهاك إلى مادة ضغط متراكمة، وكل حدث إلى فرصة لبناء قوة وطنية متينة لا تنتظر الفعل الأممي بل تفرض وجودها وفاعليتها بشكل مباشر وواعي.

