الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:39 AM
الظهر 12:38 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:17 PM
العشاء 8:37 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

مؤتمر فتح الثامن: بين وفرة الوعي وخطر إعادة إنتاج الأزمة

الكاتب: د. ياسر أبو بكر

في الفترة الأخيرة، قرأتُ واستمعتُ بعمقٍ إلى الكثير مما كُتب وقيل عن حركة فتح ومؤتمرها الثامن المرتقب. لم تكن تلك النصوص مجرد آراء عابرة، بل عكست حالة فكرية كثيفة داخل الحركة، كشفت حجم الوعي النقدي لدى كوادرها، وعمق القلق على مستقبلها ودورها الوطني. ومن خلال هذا التراكم، يمكن القول إننا أمام لحظة غير عادية: لحظة يتقدم فيها وعي الكادر على بنية التنظيم، ويتسع فيها النقاش إلى حد يكاد يضيق به الإطار التنظيمي نفسه.

ما يلفت الانتباه في هذا الحراك الفكري، أنه لا يعاني من فقر في التشخيص، بل على العكس تمامًا ، هناك دقة في توصيف الأزمة، وجرأة في الطرح، وقدرة على النقد الذاتي. لكن المشكلة تبدأ حين ننتقل من مستوى الفهم إلى مستوى الفعل. فالحركة التي تمتلك هذا المخزون من الوعي، ما زالت تعاني من عجز بنيوي في تحويله إلى سياسات وقرارات. وهنا تتجلى المفارقة الأساسية: وفرة في الفكر، مقابل عجز في البنية.

الأزمة، في جوهرها، لم تعد أزمة أشخاص، ولا حتى أزمة مواقع، بل أزمة تعريف. فتح التي وُلدت كحركة تحرر وطني، تجد نفسها اليوم في منطقة رمادية بين دورها التاريخي، ومتطلبات واقع سياسي وإداري فرضته تجربة السلطة. هذا التداخل أضعف وضوح الهوية، وقيّد القدرة على المبادرة، وخلق حالة من الارتباك في الخطاب والممارسة معًا. لا يمكن لحركة أن تقود مشروع تحرر وهي أسيرة حسابات الإدارة اليومية، ولا يمكن أن تستعيد دورها الوطني دون أن تحسم هذا الالتباس بوضوح.

وفي موازاة ذلك، تتسع فجوة الثقة بين القاعدة والقيادة. لم تعد الشرعية التاريخية كافية بذاتها، ولم يعد الكادر يقبل أن يكون مجرد منفذ، بل أصبح شريكًا في التفكير والنقد، وهو تطور صحي في جوهره، لكنه يصبح مؤشرًا على خلل حين لا يجد طريقه إلى المؤسسات. حين يضطر الكادر أن يقول ما لا يستطيع قوله داخل الأطر، فهذا يعني أن الأطر بحاجة إلى إعادة بناء، لا إلى مزيد من الضبط.

الأخطر من كل ذلك، هو التحول الصامت الذي طرأ على وظيفة الحركة. من إدارة الصراع مع الاحتلال، إلى إدارة الأزمة الداخلية. هذا التحول لم يُعلن، لكنه يظهر في الممارسة اليومية، وفي تراجع المبادرة، وفي الاكتفاء بردود الفعل. ومع الوقت، بدأت الواقعية السياسية تُستخدم كتبرير لهذا التراجع، لا كأداة لإدارته. والفرق كبير بين من يتعامل مع الواقع ليغيره، ومن يتكيف معه حتى يفقد القدرة على التأثير فيه.

المؤتمر الثامن يأتي في هذا السياق المعقد، ما يجعله لحظة مفصلية بكل ما تعنيه الكلمة. لكنه في الوقت ذاته، معرض لخطر حقيقي: أن يتحول إلى استحقاق انتخابي بحت، تُدار فيه المنافسة على المواقع، لا على البرامج. وهنا يكمن الخطر الأكبر ، ليس في فشل المؤتمر، بل في نجاحه الشكلي. أن ينعقد، وأن تُنتخب قيادة، وأن تُلقى خطابات، دون أن يتغير شيء في العمق. عندها، لن يكون المؤتمر فرصة ضائعة فقط، بل خطوة إضافية في مسار التآكل.

ما نحتاجه اليوم ليس شعارات عن التجديد، بل آليات واضحة له. تبدأ أولًا بإعادة تعريف العلاقة بين الحركة والسلطة، عبر فصل وظيفي حقيقي يحرر القرار التنظيمي من قيود الإدارة اليومية. وتستمر بتبني نظام داخلي يضمن تمثيلًا حقيقيًا للكادر، من خلال انتخابات شفافة على كل المستويات، لا تقتصر على القمة. كما تتطلب إنشاء منصات مؤسسية دائمة للحوار الداخلي، تُحوّل النقد من حالة فردية إلى أداة تطوير جماعي. ولا يمكن الحديث عن تجديد دون ضخ دماء جديدة في مواقع القرار، وفق معايير الكفاءة والنزاهة، لا التوازنات التقليدية. وإلى جانب ذلك، يصبح من الضروري إعادة صياغة برنامج سياسي واضح، يحدد موقع الحركة في هذه المرحلة، وأدوات فعلها، وعلاقتها بالمجتمع وبقية مكونات النظام السياسي.

وفي هذا السياق، لفتني تعليق لصديق عزيز أرسله لي عقب مقالي السابق، قال فيه ببساطة مكثفة: "البوصلة أهم من الساعة ،،، ولذلك اخترعت قبلها". لم يكن يقصد المفاضلة بين أداتين، بل بين وظيفتين: أن تعرف إلى أين تتجه، أهم من أن تعرف كم مضى من الوقت. وهذه الفكرة، على بساطتها، تختصر جوهر ما نواجهه اليوم. نحن لا نعاني من نقص في الوقت، ولا من تأخر في الاستحقاقات، بل من ارتباك في الاتجاه. وكل حديث عن إصلاح أو تجديد، دون إعادة تعريف واضحة للبوصلة، سيبقى مجرد إدارة أدقّ لنفس المسار الخاطئ. لذلك، فإن أولوية المؤتمر ليست في ترتيب الزمن التنظيمي، بل في حسم الاتجاه السياسي والوطني للحركة.

لكن، وبقدر ما ننتقد، لا بد أن نتوقف أمام هذه الحالة الفريدة من الحراك داخل الحركة. هذا النقاش الواسع، وهذه الحيوية الفكرية، ليست مشكلة بحد ذاتها، بل هي أحد أهم مصادر القوة التي ما زالت تمتلكها فتح. المطلوب ليس كبح هذا الحراك، بل تعميمه، وتوسيعه، ونقله من لحظة المؤتمر إلى حالة دائمة. فالحركة التي تناقش نفسها بجرأة، قادرة على أن تعيد إنتاج ذاتها، إذا ما توفرت الإرادة.

بل إن الأهم من ذلك، أن يمتد هذا الحراك إلى ما هو أبعد من الشأن التنظيمي. أن نرى هذا المستوى من التفاعل في كل قضايا شعبنا، في التعليم، في الاقتصاد، في المجتمع، وفي القلب منها قضية الأسرى، التي يجب أن تبقى بوصلة أخلاقية ووطنية دائمة. لا يكفي أن نتحرك بكثافة حين يتعلق الأمر بالمؤتمر، ثم نخفت حين يتعلق الأمر بقضايانا اليومية. المطلوب هو تحويل هذا الزخم إلى حالة مستمرة، تُعيد ربط الحركة بجمهورها، وتُعيد تعريف دورها كحركة حية في قلب المجتمع، لا فوقه.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل ما يُرى على الأرض. فجزء معتبر من الحراك الجاري بين الكوادر لا يعكس، للأسف، هذا البعد الوطني الذي تتحدث عنه النصوص، بل يبدو في كثير من الأحيان محكومًا باعتبارات شخصية وانتخابية ضيقة. وكأننا أمام سباق مواقع أكثر من كوننا أمام لحظة مراجعة تاريخية. وكأن المؤتمر، بكل ما يُقال عنه، يتجه لأن يكون مهرجانًا انتخابيًا، لا محطة لإعادة البناء.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. ليس في نقص الوعي، بل في غياب الإرادة. لأن حركة تعرف أزمتها بهذا الوضوح، ثم تعجز عن مواجهتها، لا تكون في طور الإصلاح ،،، بل في طور التعايش مع التراجع.

وإذا تحوّل المؤتمر الثامن إلى مهرجان انتخابي، وبقي أسير حسابات الأفراد، لا رهانات المشروع، فإن المشكلة لن تكون في نتائجه، بل في الرسالة التي سيبعثها: أن فتح قررت أن تدير أزمتها، لا أن تنهيها.

وعندها، لن يكون السؤال ماذا بعد المؤتمر ،،، بل ماذا تبقى من المشروع ؟!

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...