الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:36 AM
الظهر 12:38 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:18 PM
العشاء 8:39 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

عن تفتيت المنطقة ونهاية الإمبراطورية الأمريكية

الكاتب: نبهان خريشة

تسير الولايات المتحدة اليوم، بوعي أو بغير وعي، نحو الفخ ذاته الذي نصبته لنفسها القوى العظمى عبر التاريخ؛ ذلك الفخ الذي أطاح بالاتحاد السوفيتي حين استنزف قواه في صراعات عبثية بعيدة عن حدوده، بينما كانت ركائز مجتمعه تتآكل من الداخل بصمت. إن المشهد الجيوسياسي الراهن في منطقة الشرق الأوسط يعيد صياغة التاريخ في بث حي ومباشر، حيث نرى دول الخليج تمول جنازتها الخاصة بأموالها، بينما تكتفي واشنطن بتقديم المجارف لحفر القبور، في مفارقة تراجيدية تعكس عمق الانفصال عن الواقع. ما يحدث ليس مجرد مناورات عسكرية أو تحالفات تكتيكية عابرة، بل هواقتص أكبر فخ جيوسياسي في العصر الحديث، فخ يهدف إلى تفكيك المنطقة برمتها لصالح رؤى استعمارية قديمة ومحدثة تتجاهل تماما كينونة الشعوب وحقوقها الأصيلة في الوجود والسيادة.

واللافت في الأمر أن قلة قليلة هي من تربط الخيوط ببعضها البعض، بينما تنشغل الآلة الإعلامية الغربية ببيع قصص "النصر الزائف" للشعوب، في حين أن الحقيقة تكمن في قصة انهيار شامل لن يتوقف عند حدود الجغرافيا الإيرانية، بل سيمتد ليحرق الشرق الأوسط برمته، ويصل لهيبه إلى قلب الدولة الأمريكية، ثم ينتهي الأمر بهدوء وبطىء ليعيد رسم موازين القوى في العالم أجمع، تماما كما حدث مع السوفييت، ولكن مع فارق وحيد هو أن أحدا هذه المرة لا يريد رؤية الهاوية التي يقترب منها الجميع بخطى واثقة.

إن الدول المركزية في المنطقة، من السعودية والإمارات إلى قطر والبحرين، لم تعد مجرد مراقبة لما يجري من حولها، بل أصبحت عناصر تمكين فاعلة في هذا المسار الانتحاري؛ فمن خلال فتح الأجواء وتقديم الدعم الاستخباراتي اللوجستي واستضافة القواعد العسكرية الأمريكية التي أصبحت تنطلق من أراضيها، تنفذ هذه الدول أجندات لا تخدم في النهاية سوى مشروع واحد غريب عن المنطقة وأهلها.

وهنا يبرز السؤال الوجودي الذي يتجاهله صانعو القرار في هذه العواصم: هل تدركون حقا ماهية المشروع الذي تدعمونه ومن يملك المخطط النهائي لهذه الأرض التي تقفون عليها؟ فبالعودة إلى الوثائق التاريخية والاستراتيجية التي لا تموت بمرور الزمن، نجد "خطة ينون" التي نُشرت عام 1982من قبل المنظمة الصهيونية العالمية، والتي لم تكن مجرد حبر على ورق، بل كانت بمثابة دستور استراتيجي يهدف إلى إعادة تشكيل البيئة المحيطة لتكون مجرد شظايا ودويلات ضعيفة وممزقة على أسس طائفية وعرقية. هذه الرؤية تلتقي مع الطموحات التاريخية التي سُجلت في مذكرات "ثيودور هرتزل" وتصريحات الحاخامات الأوائل أمام المحافل الدولية، والتي ترسم حدودا خيالية تمتد من "نيل مصر إلى فرات العراق"، وهي خارطة تبتلع في طريقها الأردن وسوريا والعراق وأجزاء شاسعة من الجزيرة العربية، مما يعني أن الكيانات القائمة اليوم ليست سوى عقبات مؤقتة في نظر هذا المشروع التوسعي.

إن ما نشهده اليوم من تحول لبنان إلى دولة مفرغة من سيادتها، وتحطم العراق وتحويله إلى ساحة تصفية حسابات، ونزيف سوريا المستمر الذي أتى على الأخضر واليابس، ومحو الدولة في ليبيا، وزعزعة استقرار اليمن بشكل دائم، ليس إلا فصولا متتالية ومدروسة بعناية في هذه الرواية الدموية. لقد كشف الجنرال الأمريكي "ويسلي كلارك" علانية عن نوايا البنتاغون في تدمير سبع دول خلال خمس سنوات، كانت إيران هي الخاتمة في تلك القائمة. وبإزالة هذا العائق العسكري الأخير، سيصبح الطريق ممهدا تماما لإعادة رسم المنطقة بالكامل دون معارضة تذكر، حيث ستتحول الدول التي تظن نفسها اليوم شريكة في "النصر" إلى مجرد قطع شطرنج يتم التخلص منها في المرحلة التالية.

إن الملكيات الخليجية التي تبارك اليوم ضرب خصومها الإقليميين وتسعى لتصفية الحسابات القديمة، تقع في وهم استراتيجي قاتل؛ فهي لا تدرك أنها ليست "حليفا" حقيقيا في هذا المخطط، بل هي مجرد أداة وظيفية سيحين دور تفكيكها فور انتهاء الحاجة إليها. والواقع يثبت أنها لا تملك حتى الآن القدرة الذاتية على حماية نفسها، فبمجرد أن تقرر واشنطن الانسحاب أو تغيير بوصلة أولوياتها، لن تجد هذه الدول من يسند ظلها، وسوف تجد نفسها وحيدة أمام شعوبها وأمام القوى الإقليمية التي ساهمت في تدميرها.

وفي هذه الأثناء التي يغرق فيها الغرب في أوهام القوة المطلقة، لا تنام القوى الدولية الأخرى، وعلى رأسها الصين، بل تراقب هذا الاستنزاف الأمريكي ببرود استراتيجي. فبينما تنغمس أمريكا في رمال الشرق الأوسط وتستنزف تريليونات الدولارات في حروب لا طائل منها، تعزز الصين قبضتها على مفاصل الاقتصاد العالمي.

إن تايوان اليوم ليست مجرد جزيرة متنازع عليها، بل هي قلب العالم النابض تكنولوجيا، حيث تنتج أكثر من 90% من أشباه الموصلات المتقدمة التي يقوم عليها عصب الذكاء الاصطناعي، والصناعات العسكرية، وحتى الهواتف الذكية التي بين أيدينا. وإذا ما وقعت أمريكا في "فخ إيران" واستنزفت ما تبقى من قدراتها العسكرية والمالية هناك، فإن الصين ستتحرك حتما نحو تايوان في اللحظة المناسبة، وحينها سيواجه العالم صدمة لم يسبق لها مثيل؛ سيتوقف إمداد الرقائق الإلكترونية، وسيتجمد الاقتصاد التقني العالمي، وستجد أمريكا نفسها مضطرة لخوض حرب على جبهتين بعيدتين، وهو سيناريو يمثل بداية النهاية للهيمنة الغربية كما عرفناها، واضطرابا حضاريا سيغير وجه الأرض.

وتتزامن هذه التوترات الخارجية المتصاعدة مع نزيف داخلي حاد وخطير في البنية التحتية والاجتماعية والاقتصادية للولايات المتحدة. فالأرقام الرسمية في عام 2025 تشير إلى فقدان ملايين الأمريكيين لوظائفهم بمعدلات مرعبة تجاوزت حتى تلك التي سُجلت إبان الجائحة العالمية، مما ينذر بانفجار اجتماعي داخلي وشيك. وفي قطاع التكنولوجيا الذي كان يمثل فخر الصناعة الأمريكية، يتم تسريح عشرات الآلاف من الموظفين شهريا، بينما تلتهم الميزانيات العسكرية أموال دافعي الضرائب لتغذية حروب بعيدة.

ومع تزايد الديون السيادية التي وصلت إلى أرقام فلكية تتجاوز 39 تريليون دولار، فإن "مقتل البترودولار" سيكون هو الرصاصة الأخيرة في نعش هذه الإمبراطورية المنهكة. فبمجرد أن تبدأ دول المنطقة في تداول النفط بعملات أخرى كاليوان الصيني أو الروبل، ستفقد واشنطن قدرتها الأسطورية على طباعة الورق وتصدير التضخم إلى بقية دول العالم، وسوف يضطر المواطن الأمريكي العادي لدفع ثمن مغامرات قيادته العسكرية التي فضلت الهيمنة الجيوسياسية على الرفاه الداخلي.

إننا نعيش في زمن تنهار فيه القيم الإنسانية المزعجة والقوانين الدولية تحت وطأة الأطماع الاستعمارية التي لا تشبع، حيث تُبنى الإمبراطوريات على رفات الشعوب وتُطمس هوياتها الوطنية في سبيل "خارطة جديدة" تُرسَم بالحديد والنار. إن تجاهل الحقوق الأصيلة لسكان الأرض واعتبارهم مجرد "أرقام" في معادلات توازن القوى هو الخطأ التاريخي الذي سيسقط هذا المشروع في النهاية. فالتاريخ يعلمنا أن القوة العسكرية مهما بلغت سطوتها لا يمكنها أن تمنح الشرعية لمشروع يقوم على تفتيت الآخر وإلغاء وجوده.

وفي خضم هذا الصراع المحموم، لن يجد أولئك الذين ساهموا في حفر هذا الفخ لأنفسهم مكانا في المستقبل الذي يحاولون صناعته، فالهيمنة التي تقوم على أنقاض الآخرين هي هيمنة هشة، والانهيار حين يبدأ لا يفرق بين من أشعل النار ومن قدم الحطب، بل يجرف الجميع في تيار لا يمكن إيقافه. إنها قصة الانهيار العظيم الذي يُطبخ على نار هادئة، بينما يظن الطباخون أنهم يحضرون مأدبة للنصر، دون أن يدركوا أنهم هم أنفسهم سيكونون الوجبة الرئيسية في هذه المحرقة الجيوسياسية الكبرى.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...