️ نقطة ضوء.. انتخابات العشيرة
الكاتب: د. عدنان ملحم
قضيتُ أيامًا طويلة متنقّلًا بين قرى وبلدات محافظة طولكرم، أحاول رأب الصدع وتخفيف حدّة الصراعات التي اشتعلت بين شخصيات فتحاوية خاضت الانتخابات المحلية الأخيرة. لم تكن تلك الخلافات بين خصوم سياسيين متباعدين، بل بين أبناء البيت التنظيمي الواحد، وبين رفاق دربٍ جمعهم المشروع الوطني طويلًا، ثم فرّقتهم صناديق الاقتراع، وأثقلت بينهم المسافات بعدما كانوا شركاء في الخندق والهمّ نفسه.
في كثير من القرى والبلدات، وجدتُ شخصيات فتحاوية وازنة تقود قوائم عائلية بحتة، لا برامج سياسية فيها، ولا رؤية تنموية واضحة، بل تحالفات تقوم على ميزان العائلة والحمولة .
هنا تبرز الإشكالية الكبرى: النظام الانتخابي المحلي الجديد لم يُضعف العشائرية فقط، بل أعاد إنتاجها بصورة أكثر حدّة، ورسّخها كفاعل سياسي رئيسي على حساب التنظيمات الوطنية، وفي مقدمتها حركة فتح، التي وجدت نفسها تُصارَع داخل ساحاتها التقليدية، وتُستنزف في معارك داخلية بدل أن تقود المشهد.
لقد أطاح هذا النظام بالتنظيمات الوطنية، ووحّد العائلات، بدل أن يوحّد الوطنيين ويُضعف العصبيات التقليدية. فتحوّل الصراع السياسي إلى صراع بين العائلات، وبين الشخصيات، وبين الأحياء والمناطق، وحتى داخل القائمة الواحدة نفسها، حيث نشأت مؤامرات صغيرة، وتحالفات خفية، وصراعات تفضيلية، وتنافس داخلي أشدّ من التنافس مع القوائم الأخرى.
النظام الجديد، القائم على القائمة المفتوحة والصوت التفضيلي، لم يُعزّز الديمقراطية كما رُوّج له، بل عمّق التنافس داخل القائمة الواحدة، وأوجد مساحات واسعة للتجاذبات والتحالفات والمؤامرات داخلها.
حتى الكوتة النسائية، التي يُفترض أن تكون أداة لتوسيع المشاركة وتعزيز العدالة السياسية، تحوّلت، في كثير من المواقع، إلى أداة إضافية لتعزيز العائلية، حيث لم تُختَر المرأة على أساس الكفاءة أو الحضور العام، بل بوصفها امتدادًا للحصة العائلية داخل القائمة.
أما في المدن ذات التداخل العائلي المختلط، حيث تقلّ سطوة العائلة المباشرة، فقد تحوّل الصراع إلى تنافس شخصيات ومناطق وأحياء، ما أضعف نسب التصويت، وزاد من حالة النفور الشعبي؛ لأن المواطن لم يجد نفسه أمام مشروع بلدي حقيقي، بل أمام معارك نفوذ مصغّرة.
الأخطر من ذلك أن نظام احتساب الأصوات الفائزة نفسه بدا ظالمًا وغير عادل، إذ لا يضمن وصول الأكفأ، ولا يعكس دائمًا الإرادة الشعبية الحقيقية لجمهور الناخبين .
النتيجة النهائية واضحة: النظام الانتخابي أضعف فتح، وأضعف التيار الوطني عمومًا، وشتّت الفتحاويين، وأدخلهم في صراعات داخلية مريرة، بدل أن يكون أداة لإعادة بناء الشرعية الوطنية. وما يحدث اليوم في الانتخابات المحلية سيكون مقدّمة خطيرة لأي انتخابات عامة قادمة، إذا استمر هذا النموذج القائم على تفتيت المجتمع وإعادة تشكيله على أسس ما قبل وطنية.
نحن لا نواجه مجرد خلل فني في قانون انتخابي، بل نواجه تحوّلًا سياسيًا واجتماعيًا عميقًا، يعيد إنتاج المجتمع الفلسطيني من بوابة العائلة والمال والنفوذ، بدل المشروع الوطني الجامع.
ولهذا، فإن المطلوب ليس فقط تعديل بعض المواد القانونية، بل إجراء مراجعة وطنية شاملة لفلسفة الانتخابات نفسها: هل نريد نظامًا يعزّز الدولة والمواطنة، أم نظامًا يعيدنا إلى حكم الحمولة والعائلة؟ وهل نريد أنظمة جامعة تُعزّز صمود الشعب الفلسطيني في وطنه وأرضه، وتُقاوم مشاريع الاستيطان والتهجير والطرد، أم مجرد مجالس تُدير شؤون الخدمات العامة وحياة الناس ومشكلاتهم اليومية فقط؟ .
فالانتخابات ليست مجرد صناديق اقتراع، بل أداة لصناعة المستقبل. وإذا كانت الأداة معطوبة، فإن النتائج لن تكون إلا مزيدًا من الانقسام، ومزيدًا من التراجع، ومزيدًا من الخسارة الوطنية.

