فَأَتْبَعَ سَبَبًا: الآية التي تُسقط عن ذلك منابر العجز
هناك جريمة صامتة تُرتكب كل أسبوع، لا تُرى بالعين، لكنها تُرى في نتائجها: أمة تُصلّي أكثر ،،، لكنها تفعل أقل. أمة تسمع أكثر ،،، لكنها تتحرك أقل. أمة تُذكَّر بالإيمان باستمرار ،،، لكنها تُدرَّب، دون أن تدري، على العجز.
هذه الجريمة لا تُرتكب بالسلاح، بل بالكلمات. لا تُفرض بالقوة، بل بالتكرار. وتحدث حين يتحول المنبر- الذي كان يوماً مصنعاً للوعي - إلى منصة لإدارة العجز.
في كثير من المساجد، يقف خطباء يعتقدون بصدق أنهم يدلّون الناس على الطريق الصحيح. يتحدثون بثقة، يرفعون أصواتهم بالآيات والأحاديث، ويخرج الناس وهم يشعرون بالطمأنينة. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل شعر الناس بالراحة؟ بل: هل خرجوا بخطة؟ هل تغير شيء في سلوكهم؟ هل اقتربوا خطوة واحدة من تغيير واقعهم؟
في معظم الأحيان، الجواب: لا.
لأن الخطبة، بدل أن تعيد تعريف الإنسان كفاعل، تعيد تعريفه كمنتظر. بدل أن تعلّمه كيف يواجه، تعلّمه كيف يتحمل. بدل أن تدفعه للفعل، تدربه على التكيف. وهكذا يتحول الدين، لا في جوهره، بل في طريقة تقديمه، من قوة تحرير إلى أداة تسكين.
لكن القرآن نفسه يهدم هذا النموذج بالكامل، في آية واحدة فقط.
يقول الله تعالى عن ذي القرنين:
"إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا. فَأَتْبَعَ سَبَبًا."
تأمل هذا الترتيب. الله مكّنه. أعطاه الأسباب. وفّر له كل الأدوات. ومع ذلك، لم تتحقق النتائج وحدها. لم يحدث شيء حتى .. اتّبع السبب.
هذه هي القاعدة التي يحاول البعض تجاهلها: الله يعطي الإمكانات، لكن الإنسان هو من يفعل.
لو كان الدعاء وحده يكفي، لما احتاج ذو القرنين أن يتحرك.
لو كان الإيمان وحده يغني عن الفعل، لما قال الله "فأتبع سبباً". لكن الرسالة واضحة: التمكين ليس نتيجة الإيمان فقط، بل نتيجة الإيمان حين يتحول إلى فعل.
خذ مثالًا بسيطا: طالب جامعة يريد النجاح. يمكنه أن يدعو الله ليلًا ونهارًا. لكن إن لم يفتح كتاباً، ولم يدرس، ولم يتعب، فلن ينجح. ليس لأن الدعاء بلا قيمة، بل لأن الدعاء لا يلغي القانون الذي وضعه الله نفسه: النتائج تأتي بعد الأسباب، لا بدلها.
المريض الذي يريد الشفاء، يحتاج إلى الدعاء ،،، لكنه يحتاج أيضًا إلى الطبيب. المجتمع الذي يريد القوة، يحتاج إلى الإيمان ،،، لكنه يحتاج أيضًا إلى العلم، والتنظيم، والعمل. الأمة التي تريد التحرر، تحتاج إلى اليقين ،،، لكنها تحتاج أيضاً إلى الفعل.
هذه ليست فلسفة حديثة. هذه هي القاعدة القرآنية نفسها.
لكن بعض الخطباء، بوعي أو دون وعي، يعلّمون الناس العكس. يربّون أجيالًا كاملة على عقلية الانتظار. يزرعون فيهم فكرة أن دورهم هو الصبر، لا المبادرة. التسليم، لا التغيير. وهكذا يتحول المنبر إلى فصل دراسي أسبوعي، لا لتعليم القوة، بل لتعليم التكيف مع الضعف.
الأخطر من ذلك أن هؤلاء الخطباء يصدقون أنفسهم. يعتقدون أنهم يهدون الناس، بينما هم، في الواقع، يعلّمونهم كيف يعيشون داخل عجزهم. لأن الإنسان الذي يتعلم أن الحل سيأتي دون أن يفعل شيئًا، سيتوقف عن المحاولة. والمجتمع الذي يتوقف عن المحاولة، يفقد قدرته على تغيير مصيره، حتى لو امتلك كل الإمكانات.
لم يكن المسجد في زمن النبي ﷺ مكانًا لتعليم الناس كيف ينتظرون، بل كيف يبنون. لم يكن مكانًا لإدارة الواقع، بل لتغييره. كان مكانًا يُصنع فيه الإنسان الذي يفهم أن الإيمان ليس بديلًا عن الفعل، بل هو ما يعطي الفعل معناه.
ولهذا، فإن أخطر آية على عقلية العجز ليست آية تتحدث عن الصبر، بل هذه الآية:
"فَأَتْبَعَ سَبَبًا."
لأنها تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وقدره. تقول له بوضوح: تحرك.
الأمم لا تسقط لأنها لا تؤمن، بل لأنها تتوقف عن الفعل. ولا تنهض لأنها تنتظر، بل لأنها تفهم أن الله لم يعدها بالنتائج، بل وعدها بالقوانين. ومن يفهم القوانين ،،، ويعمل بها ،،، يغير الواقع.
السؤال اليوم ليس: هل نؤمن؟
السؤال: هل نتبع السبب؟
هنا يبدأ الفرق بين أمة تسمع ،،، وأمة تنهض.