وقوع إيران في الفخ قد يجعلها تُساهِمُ بقصدٍ أم بغيرِهِ في إنجازِ الشرقِ الأوسطِ الجديدِ

2026-02-28 20:15:37

اعادة صياغة النظام العالمي الجديد تحتاج الى نسج تحالفات يتعدى دورها المهمات الدفاعية أو رد فعل محدود على تهديد مباشر، بل أصبحت هذه التحالفات أدوات استراتيجية تسعى للاسهام في  إعادة ترتيب النظام العالمي وإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي والدولي، ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط ليس مجرد أحداث عابرة، بل جزء من هندسة استراتيجية أوسع تحاول بعض دوائر النفوذ في الولايات المتحدة فرضها على النظام الدولي، من خلال شبكات تحالفات متقاطعة تربط بين الشرق الأوسط، أوروبا، وجنوب آسيا، التحالف مع إسرائيل ليس صدفة، فهي تمثل العقل الاستخباراتي والتكنولوجي المتقدم لقوى الاستعمار الجديد، القادر على تحويل أي تهديد إلى فرصة لإعادة ترتيب القوى وصياغة خطوط النفوذ،التحركات الأخيرة يمكن قراءتها كامتداد عملي لما كانت النخب العابرة للحدود تناقشه في لقاءات مغلقة لعقود: بحث عن السيطرة على الممرات الحيوية، إعادة توزيع مراكز القوة، وضبط الاستراتيجيات العسكرية والاقتصادية بعناية فائقة.

في هذا الإطار، يظهر ما يمكن تسميته بالقوس الاستراتيجي الممتد من شرق المتوسط إلى المحيط الهندي، ويضم إسرائيل، الولايات المتحدة، الهند، اليونان، قبرص، وأرض الصومال. هذا القوس ليس تحالفًا عسكريًا تقليديًا، بل منظومة معقدة تربط الاستخبارات، الدفاع، الطاقة، السياسة، والملاحة البحرية، وتضع اللاعبين الإقليميين تحت ضغط استراتيجي مستمر، يجعل أي حركة غير محسوبة محفوفة بالمخاطر.

إسرائيل تشكل حجر الزاوية لهذا القوس. موقعها في شرق المتوسط يمنحها القدرة على مراقبة وتحليل أي تهديد من إيران أو محور المقاومة، خبرتها في الدفاع الجوي، الحرب السيبرانية، والضربات الدقيقة تجعلها المركز الذي يترجم التحليل الاستخباراتي إلى فعل ميداني، إسرائيل ليست مجرد طرف، بل عقل العمليات الاستراتيجية الذي يحدد شكل الردع وتوقيت التدخلات، ويخلق توازنًا يحمي مصالح التحالف في شرق المتوسط وخطوط الطاقة اضافة الى كونها صاحبة مشروع الشرق الاوسط الجديد.

الولايات المتحدة تضيف وزنًا عالميًا لا يمكن تجاهله، أساطيلها البحرية، حاملات الطائرات، وانتشار قواعدها في الخليج والشرق الأوسط،اقتصادها المهيمن ،كل ذلك يمنحها قدرة على التدخل المباشر والتحكم في خطوط التجارة والملاحة، قوتها الاقتصادية والسياسية تحول أي خطوة للتحالف إلى رسالة واضحة للدول الأخرى، وتضمن للخطط الإقليمية غطاءً دوليًا يجعلها أقل عرضة للتحدي المباشر.

الهند تمثل الحلقة الأكثر تعقيدًا وحساسية في القوس،قوة نووية، موقعها بين باكستان وإيران، وعضويتها في تكتل البريكس مع روسيا والصين، يجعلها لاعبًا متعدد الأبعاد: قوة بحرية رئيسية في المحيط الهندي، مشرف على خطوط التجارة والطاقة من الخليج إلى آسيا، وورقة دبلوماسية متوازنة بين الغرب وخصومه في الشرق. إدماج الهند في القوس يوسع الرقعة الاستراتيجية ويمنح التحالف امتدادًا عالميًا لا يقتصر على الشرق الأوسط، بل يمتد إلى جنوب آسيا والمحيط الهندي، ما يجعل أي تحرك للتحالف محسوبًا دوليًا.

اليونان تمثل البوابة الأوروبية، عضويتها في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو تجعلها نقطة ربط مباشرة بين التحالف وبين المؤسسات الأوروبية، وتوفر موانئ بحرية وقواعد استراتيجية للتنسيق العسكري. قبرص، رغم صغر حجمها، تلعب دور العين المتقدمة، منصة خلفية وملجأللطيران الإسرائيلي  في حال تعرضت المطارات الاسرائيلية للضرب او التعطيل اضافة الى دورها في المراقبة البحرية والجوية للمتوسط، ما يمنح التحالف عمقًا لوجستيًا واستخباراتيًا إضافيًا، ويخلق مجالًا للتدريب والتحركات الدقيقة بعيدًا عن الضغوط الدولية المباشرة.

أرض الصومال، عند مضيق باب المندب، تمثل العقدة البحرية الحيوية التي تربط خطوط التجارة بين آسيا وأوروبا، السيطرة على هذه النقطة تمنح التحالف القدرة على ضبط الملاحة البحرية وفرض قيود على أي قوة خارجية تسعى للتدخل، ما يجعل أي محاولة للتوسع الأمريكي أو الأوروبي في المنطقة أكثر تكلفة وتعقيدًا.

وسط هذا المشهد، يبرز السؤال الاستراتيجي: هل الضغوط والضربات الامريكية الاسرائيلية على إيران تهدف لإجبارها على توسيع دائرة الاشتباك، بحيث تضطر لضرب القواعد الامريكية في دول الخليج والمحيط مما يجبر هذه الدول على البحث عن مظلة حماية جماعية؟ إذا تحقق ذلك، فإن القوس الاستراتيجي يتحول إلى شبكة دفاعية قوية، ويصبح الرد الدفاعي محفزًا لتطبيق بنية أمنية أوسع، وربط النفوذ العسكري والاستخباراتي مع السيطرة على خطوط الطاقة والملاحة. التحركات الأخيرة قد تكون امتدادًا عمليًا لما كانت النخب العابرة للحدود تناقشه في لقاءاتها المغلقة، محاولة لإعادة توزيع مراكز القوة العالمية وتحويل الخطط النظرية إلى واقع ملموس على الأرض.

وفي نهاية المطاف، يبقى مصير هذا القوس الاستراتيجي مرهونًا بنتيجة الصراع مع إيران. إذا انهارت إيران واستسلمت، فإن التحالف بقيادة إسرائيل والولايات المتحدة سيصبح حجر الزاوية للعالم الحديد، يتحكم في خطوط الطاقة والملاحة، ويعيد رسم واقع إقليمي جديد بأدوات متماسكة وبقوانين وقيم جديدة، أما إذا صمدت إيران وتجاوزت المحنة، فإنها قد تُجبر الأطراف الخارجية، بما فيها الولايات المتحدة، على التراجع أو تقليص وجودها العسكري، لتصبح المنطقة فضاءً يمكنه أن يفرغ التدخلات الأجنبية تدريجيًا من مضمونها ويعيد رسم التوازن الإقليمي بشكل غير مباشر، مع إبقاء خيار الردع الاستراتيجي تحت سيطرتها، ما يجعل أي تحرك مستقبلي للتحالف أكثر تكلفة وتعقيدًا، ويعيد المنطقة إلى حالة من التوازن المعقد الذي يحد من قدرة أي قوة خارجية على فرض سيطرتها الكاملة.