في الثامن من آذار… لا عدالة بلا إنهاء الاحتلال ولا دولة بلا نسائها

2026-03-05 10:37:56

في كل عام، يُرفع شعار " العدالة" في الثامن من آذار، اليوم الذي أقرّته الأمم المتحدة منصةً عالمية لتجديد الالتزام بحقوق النساء. لكن في فلسطين، لا يمكن للعدالة أن تكون مفهومًا تجريديًا أو مطلبًا إصلاحيًا معزولًا عن سياقه السياسي. العدالة هنا تبدأ من إنهاء الاحتلال، ومن تمكين شعبٍ كامل من حقه في تقرير المصير، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس.

تحلّ هذه المناسبة هذا العام فيما تتواصل الحرب على قطاع غزة، والضفة الغربية والقدس، وتُناقش في أروقة مجلس الأمن الدولي صيغ لوقف إطلاق النار وترتيبات تهدئة. غير أن أي مسار سياسي لا ينطلق من الاعتراف الصريح بالحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، سيبقى مسارًا منقوصًا. فالسلام العادل ليس منحة سياسية، بل استحقاق قانوني وأخلاقي.

غير أن الحديث عن الدولة لا يكتمل دون الحديث عن طبيعتها: أي دولة نريد؟ وهل ستكون دولة تعيد إنتاج التمييز، أم دولة تُجسّد المواطنة المتساوية؟

المرأة الفلسطينية ليست طارئة على الفعل الوطني، ولم تكن يومًا هامشًا في مسيرة التحرر. من الحركة النسوية المبكرة إلى أطر العمل النقابي والمجتمعي، ومن الدفاع عن الحقوق الاجتماعية إلى المطالبة بالمشاركة السياسية، راكمت النساء إنجازات ملموسة. إقرار الكوتا النسوية في المجالس المنتخبة لم يكن هبة، بل نتيجة نضال حقوقي طويل، ترافقت مع إرادة سياسية بالانضمام إلى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وهذة خطوة مهمة ولم يكن إجراءً شكليًا، بل محطة مفصلية فتحت أفقًا قانونيًا لمساءلة السياسات والتشريعات المعمول بها في فلسطين.

لكن التحدي اليوم مضاعف: كيف نحمي ما تحقق، ونمنع تآكله تحت ضغط الحرب والانهيار الاقتصادي؟

الأرقام الصادمة لعدد الأرامل الشابات، وللأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، ليست مجرد معطيات إنسانية؛ إنها مؤشرات لتحولات اجتماعية عميقة ستعيد تشكيل البنية الأسرية والاقتصادية. آلاف النساء انتقلن قسرًا إلى موقع المعيل الأساسي، في ظل اقتصاد مدمر، واحتجاز أموال، وتآكل منظومة الحماية الاجتماعية. هنا يتقاطع الوطني بالحقوقي: فلا يمكن الحديث عن صمود دون سياسات تمكين اقتصادي حقيقية، ولا عن تعافٍ دون إدماج النساء في التخطيط وإعادة الإعمار.

إعادة الإعمار، في جوهرها، معركة عدالة توزيع. من يحصل على الموارد؟ من يحدد الأولويات؟ من يراقب التنفيذ؟ إذا لم تكن النساء جزءًا من هذه المعادلة، فإننا نعيد إنتاج الصور النمطية لدور النساء بصورة أكثر هشاشة.

في المقابل، يتسع خطر آخر بصمت: تصاعد العنف الاجتماعي تحت وطأة الفقر والنزوح والصدمة. زواج القاصرات، تعدد الزوجات، نزاعات الإرث، وتزايد أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي. هنا يتجلى وجه آخر للاحتلال؛ إذ لا يقتصر أثره على الدمار المادي، بل يخلق بيئة ضغط تتسلل إلى داخل المجتمع ذاته. لكن الاعتراف بهذا الواقع لا يعني تبريره. بل يفرض علينا مواجهته بسياسات واضحة للحماية والمساءلة.

استمرار العمل بقوانين أحوال شخصية تعود جذورها إلى خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، رغم التحولات الاجتماعية والسياسية الجذرية، لم يعد مقبولًا. في ظل الاستشهاد، والإعاقات الدائمة، والمفقودين، وتعقيدات الإرث والحضانة والنفقة،

يصبح إقرار قانون أحوال شخصية فلسطيني عصري أولوية وطنية لا تقل أهمية عن إعادة بناء البنية التحتية. فالدولة التي لا تُنصف نساءها في قانون الأحوال الشخصية، لن تُنصفهن في الفضاء العام.

النضال الحقوقي للمرأة الفلسطينية يجب أن ينتقل اليوم من الدفاع إلى المبادرة: من المطالبة بالتمثيل إلى التأثير الفعلي في صياغة السياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية. فالمشاركة السياسية لا تُختزل بنسبة مقاعد، بل تُقاس بمدى القدرة على إعادة تعريف الأولويات الوطنية من منظور العدالة الاجتماعية والمساواة.

إن تراكم الإنجازات يتطلب رؤية واضحة:

· ربط الإغاثة العاجلة بخطط تمكين اقتصادي مستدام للنساء.

· اشتراط إدماج النوع الاجتماعي في كل مشاريع التعافي وإعادة الإعمار.

· مواءمة التشريعات الوطنية مع الالتزامات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين.

· إنشاء منظومة حماية فعالة لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، تتضمن مراكز إيواء وخدمات قانونية ونفسية متخصصة.

في الثامن من آذار، لا نطلب تضامنًا رمزيًا، بل نطالب بمسار وطني يعترف بأن حقوق النساء ليست ملفًا فرعيًا يمكن تأجيله إلى ما بعد “التحرر”. بل هي جزء أصيل من معناه. فلا تحرر وطني دون تحرر اجتماعي، ودولة ذات سيادة عمادها مواطنة متساوية.

رسالتي اليوم للمرأة الفلسطينية: لقد راكمتنّ إنجازات في أصعب الظروف، وانتزعتنّ مكاسب لم تكن سهلة. المرحلة القادمة ليست مرحلة انتظار، بل مرحلة تثبيت الحقوق وتوسيعها، عبر التشريعات الوطنية التي تعزز المساواة والمواطنة. طالبن بمكانكنّ

في لجان التخطيط والإعمار، في صياغة القوانين، في رسم السياسات الاقتصادية. فالدولة التي نحلم بها لن تُمنح لنا كاملة؛ بل تُبنى بتوازن قواها المجتمعية، وبإصرار نسائها على أن يكنّ شريكات كاملات لا شاهدات على الهامش.

في يوم المرأة العالمي، يتجدد العهد: أن يكون النضال النسوي الفلسطيني رافعةً للتحرر الوطني، وأن يكون التحرر الوطني ضمانةً راسخةً لحقوق النساء. هكذا فقط يتراكم الإنجاز… وهكذا فقط تُصان العدالة.