️ نقطة ضوء: إلى محمود درويش: ما زلنا هنا
▪️يا محمود ،
نكتب إليك من بلادٍ ما زالت تمشي على جراحها، وتحمل اسمها في الريح كما كنت تقول. نكتب إليك من وطنٍ ما زال يبحث عن معناه بين الحصار والذاكرة؛ بين شجرة زيتون تُقلَع، وأخرى تُزرَع كي لا تضيع الحكاية.
▪️يا محمود،
كتبتَ: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». ولو عدتَ قليلًا، يا صديقي، لرأيتها مثقلة بالمستعمرين والمستعمرات، والأسلاك والحواجز. يُطرَد الناس من أغوارهم ومضاربهم ومنازلهم وأراضيهم ومدارسهم، دون أن ترمش عين زعماء الفصائل والقبائل، ورجال الأعمال، وبعض المفكرين والثوار السابقين.
قطاع غزة ارتدت ثياب هيروشيما، والضفة الغربية تحتضر.
▪️يا محمود،
المدن والقرى التي كتبتَ عنها ما زالت هناك… تقف على حافة الخوف. حجارتها تسكن الذاكرة، وظلّها يطول تحت ثقل الغزاة الغرباء. وسكانها طبقتان: بسطاء كخبز أمهاتهم، أجسادهم أصلب من الصخر حين يُمسّ وطنهم. وتجارٌ وفاسدون ومستحدثو نعمةٍ ومناصبَ وممالكَ وقوافل.
▪️يا محمود،
نكتب إليك من زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة وتقلّ فيه الإجابات؛من زمنٍ صار فيه الفلسطيني يحرس بيته بذكرياته، ويحرس أرضه بعشقه، ويحرس اسمه بكرامته، ويحرس جوعه بصبره. من زمنٍ ما زال فيه الطفل يحمل حقيبته المدرسية ويمشي بين الحواجز والبوابات والأسلاك الشائكة، لا يعترف بتزوير المناهج ولا بتغيير المباهج والاحتفالات.
▪️يا محمود،
لو عدتَ اليوم، ربما ستكتب قصيدة أخرى عن هذا الشعب المثخن بالجراح والفقر والجوع والعوز والفساد والتشرذم واللامبالاة. شهداؤه وجرحاه وأسراه صاروا غرباء خارج نصّ البلد، وشعبٌ مقسَّمٌ مشتّتٌ لا يعرف قيمة الالتقاء على كلمة واحدة وطريق واحد. ورغم ذلك، يجتمع دائمًا حول اسم فلسطين؛شعبٌ قد يضيع في السياسة، لكنه لا يضيع في المعنى. شعبٌ يسابق الريح منذ أكثر من مئة عام، وما زال يسبق زعاماته وحكوماته وفصائله .
▪️يا محمود ،
نكتب إليك، وكلماتك لم ترحل من دواخلنا. ما زالت تمشي بيننا كأنها دليل الطريق، وما زال صوتك يذكّرنا أن الوطن ليس خريطة فقط… بل ذاكرة وكرامة وحقٌّ لا يسقط بالتعب.
▪️ يا محمود ،
نم هادئًا ، فلسطين التي كتبتها شعرًا ما زالت تُكتب كل يوم بدم أبنائها وصبرهم وجلدهم. وما زال الفلسطيني، كما أحببتَه، يقف على هذه الأرض ويقول للعالم: هنا… كنا، وهنا سنبقى .
نص د . عدنان ملحم
رسالة إلى محمود درويش في ذكرى مولده 13/3/1941.