مِنْ كْرُومْوِل إِلَى كَامْبِل مَرُورًا بِـنَابُلْيُون: غِطَاءٌ دِينِيٌّ لِاسْتِعْمَارٍ أَبَدِيٍّ

2026-03-16 13:32:40

لم يكن المشرق العربي يومًا خارج الأطماع الأوروبية، بل كان موضوع هذه الأطماع حاضرًا دائمًا. فمنذ أن بدأ الغرب البحث عن طريق للخلاص من حروبه الداخلية وصراعات الكنيسة والتاج، كانت بوصلته تتجه جنوبًا وشرقًا، إلى بلاد الوحي والبحار الدافئة، إلى الأرض التي يمكن أن تعيد له توازنه المفقود. من هنا تبدأ الحكاية: من كرومويل مرورًا بنابليون وصولًا إلى كامبل ثم بلفور، حيث أسس كرومويل وأكمل الآخرون إدخال الشرق في قلب السياسة الأوروبية الحديثة.

في منتصف القرن السابع عشر، قدّم كرومويل مشروعه الجمهوري بوصفه ثورة أخلاقية قبل أن يكون انقلابًا سياسيًا. رأى نفسه أداة العناية الإلهية لإعادة بناء عالم يتطهّر من الفساد البابوي ويعود إلى نقاء العهد القديم. ومن هنا وُلدت فكرة “عودة اليهود إلى فلسطين”، لا كتفصيل ديني فحسب، بل كجزء من الخلاص الأوروبي من اليهود المنبوذين، خاصة من إنجلترا البروتستانتية.

لم يتحدث كرومويل عن فلسطين بدافع الإيمان الغيبي، بل رآها نقطة ارتكاز استراتيجية في طريق التجارة الشرقية، ومفتاحًا يربط بين البحر المتوسط والمحيط الهندي. لذلك كانت دعوته لليهود بالعودة إلى أرض الميعاد نوعًا من الاستثمار السياسي، لتوطين جماعة مكروهة في أوروبا في قلب المشرق، من أجل استخدامها كذراع متقدمة للاستعمار، تسهل السيطرة على الموارد وتضمن منع وحدة المنطقة كبديل للغرب.

بعد قرن ونصف، بدأ انتقال الفكرة من النبوءة إلى الفعل على يد نابليون بونابرت الذي وُلد من رحم الثورة الفرنسية، الثورة التي استبدلت لاهوت السماء بعقل الأرض، لكن الغاية لم تتبدل: نقل أوروبا إلى الشرق لتستعيد هناك معنى رسالتها. حين حطّ نابليون في مصر عام 1798 وزحف نحو بلاد الشام، كان يحمل في جيوبه مزيجًا من السيف والعقل، تحدّث باسم العلم والتنوير، لكنه استخدم اللغة نفسها التي استخدمها كرومويل: لغة الخلاص، مع اختلاف أن خلاص نابليون كان حضاريًا؛ خلاص أوروبا من ركودها، وخلاص الشرق من "تأخره"، كما زعم.

في دعوته الشهيرة لليهود عام 1799، وعدهم نابليون بدولة في فلسطين تحت الحماية الفرنسية، امتدادًا طبيعيًا لفكرة كرومويل، لكن بلسان جديد: من "شعب الله المختار" إلى "حلفاء الثورة والتحرر". هكذا وُلدت النواة الفكرية للمشروع الصهيوني داخل العقل الأوروبي قبل أن تتجسد على الأرض.

بين الدافع الديني والمنطق الإمبراطوري تجلّى الفارق بين كرومويل ونابليون؛ استخدم الأول غطاء الدين والعواطف ممزوجًا بالروحانيات، زاعمًا رغبته في تحويل الشرق إلى مسرح لتحقيق وعد الله، بينما استخدم الثاني لغة عقلانية علمانية زاعمًا تحويل الشرق إلى مسرح لاختبار الحداثة. لكن الجوهر واحد: الشرق كمجال مفتوح للتجريب والسيطرة، وكأن أوروبا لا تكتمل إلا بتفوقها على الآخر.

إنها النظرة نفسها التي استمرت في الفكر الأوروبي طوال القرن التاسع عشر، حيث رأى كرومويل فيه أرض النبوءة التي تبرر دور إنجلترا كأمة مختارة جديدة، بينما رأى نابليون في الشرق مختبرًا للحداثة الفرنسية وميدانًا لصراع فرنسا مع بريطانيا. وهكذا يتحول المشرق إلى "حلّ أوروبي داخلي"، كلما ضاقت أوروبا بأزماتها، بحثت في الشرق عن مخرج أو عن معنى.

لذلك، لم يكن مشروع نابليون حادثة عسكرية معزولة، بل حلقة من سلسلة بدأت مع كرومويل واستمرت مع بالمرستون وبلفور، حتى صارت في القرن العشرين واقعًا سياسيًا تحت عنوان "الانتداب". حين فشل نابليون في عكا، لم تفشل الفكرة، بل تغيّر شكلها فقط؛ خرجت فرنسا مهزومة عسكريًا لكنها انتصرت فكريًا، وأطلقت أول موجة من الاستشراق المنظّم الذي قدّم الشرق كمجال للبحث والامتلاك المعرفي، لا الغزو المباشر.

ثم التقطت بريطانيا الخيط، وحوّلت المبدأ إلى سياسة، حيث تصبح السيطرة على الشرق ضرورة لبقاء الإمبراطورية، ومن هنا وُلد التحالف بين الفكر البروتستانتي الرسالي والفكر الإمبريالي النفعي، لينتج لاحقًا وعد بلفور، الذي لم يكن سوى ترجمة متأخرة لوعد كرومويل ونبوءة نابليون.

خلاصة المسار التاريخي من كرومويل إلى نابليون تتجلّى بوضوح: كرومويل زرع الفكرة تحت غطاء ديني، نابليون حرّكها بسيف الحداثة والعقل العسكري، وبالميرستون وبلفور حوّلتها السياسة الاستعمارية والاستيطان المنظم. ما حصل يعتبر تطوّرًا في الوسائل لا خلافًا في الجوهر؛ فالمشروع واحد، والغاية واحدة: الهيمنة على الشرق بوصفه مركز التوازن الكوني وميدان تحقيق الذات الأوروبية. الشرق لم يكن في نظرهم أرضًا بعيدة، بل المكان الذي تتجدد فيه أوروبا كلما أصابها الوهن.

الربط بين كرومويل ونابليون ليس ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة لفهم جذور الصراع القائم حتى اليوم؛ فكلاهما مثّل منعطفًا في العلاقة بين الغرب والمشرق: الأول أعطى الفكرة ثوبها اللاهوتي، والثاني منحها سلاحها الحديث. أوروبا كانت دائمًا متجهة إلى الشرق بحثًا عن "الخلاص"، بينما ظل الشرق يدفع ثمن ذلك الخلاص الزائف، هكذا تستمر الحكاية من كرومويل إلى نابليون مرورًا بكامبل وصولًا إلى بلفور، وإلى كل من رأى في المشرق وسيلة لاكتشاف ذاته، لا شريكًا في الإنسانية، بل ساحة للهيمنة والاختبار، كما هو حال الدولة العميقة وترامب ونتنياهو.

وأخيرًا، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، لم يعد مقبولًا أن يبقى المشرق العربي مجرد ساحة لتنازع القوى الكبرى أو ميدانًا لتجارب الهيمنة المتعاقبة. فالتاريخ الذي عرف استعمارًا أوروبيًا مباشرًا لا ينبغي أن يُعاد إنتاجه اليوم في صورة تبعية من نوع آخر. إن التحدي الحقيقي أمام شعوب المنطقة ونخبها يتمثل في البحث عن صيغة جديدة للعلاقات الدولية تقوم على التوازن والندية والمصالح المتبادلة.

ومن هنا تبرز أهمية إعادة فتح أفق العلاقات بين المشرق العربي وأوروبا على أسس مختلفة عمّا عرفه الماضي؛ أسس قوامها الشراكة المتكافئة والاحترام المتبادل للسيادة والمصالح. فالتقارب القائم على المصالح المشتركة يمكن أن يسهم في إعادة قدر من التوازن إلى هذه المنطقة الحساسة، ويمنع في الوقت ذاته انزلاقها إلى شكل جديد من الهيمنة قد يستبدل استعمارًا أوروبيًا بآخر أمريكي.

إن استعادة التوازن في العلاقات بين الضفتين ليست مجرد خيار سياسي عابر، بل ضرورة تاريخية لإعادة الأمور إلى نصابها، ولبناء فضاء من التعاون يتيح للمشرق العربي أن يتحول من ساحة صراع إلى شريك فاعل في صياغة مستقبل أكثر استقرارًا وعدلا.