الجبهة اللبنانية تحدد مسار الحرب الإقليمية
مع دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أسبوعها الثالث، بدأت ملامح القلق تتسرّب إلى دوائر القرار في واشنطن. فبعدما راهنت الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب على أن الضربة ضد إيران ستكون محدودة وسريعة النتائج، جاء الرد الإيراني أكثر حدة وتعقيداً مما كان متوقعاً، الأمر الذي أدخل المواجهة في مسار مفتوح على احتمالات تصعيد إقليمي أوسع.
تشير تقارير إلى تصاعد التشاؤم داخل الإدارة الأميركية بشأن استمرار الحرب دون وجود استراتيجية واضحة لإنهائها. فقد أدت تهديدات إيران باستهداف ناقلات النفط في مضيق هرمز إلى توقف شبه كامل لحركة الشحن وارتفاع أسعار النفط عالمياَ، وهو ما أثار مخاوف اقتصادية وسياسية في واشنطن، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية. كما أن بعض مستشاري الإدارة كانوا قد قلّلوا في البداية من احتمال رد إيراني قوي، إلا أن التطورات الميدانية كشفت أن الحسابات كانت أقل دقة مما اعتُقد، ما دفع واشنطن إلى البحث عن خيارات بديلة للضغط على طهران أو احتواء التصعيد.
في هذا السياق، برزت الجبهة اللبنانية كأحد السيناريوهات المحتملة لتغيير مسار المواجهة. ففي بداية شهر آذار/ مارس من العام الجاري، أعلن الجيش الإسرائيلي استدعاء 100 ألف جندي احتياط ضمن عملية "زئير الأسد" لتعزيز قواته على الحدود مع لبنان وسوريا. ومع ضوء أخضر من الرئيس دونالد ترامب في 12 آذار/ مارس 2026 لبدء عملية برية واسعة في لبنان، لن تفوّت إسرائيل هذه الفرصة الذهبية لاجتياح الجنوب، وتقويض حزب الله، وتحقيق مكاسب ميدانية توسعية في الجنوب اللبناني، بينما يقتصر الخلاف داخل إسرائيل على حجم العملية وتوقيت تنفيذها فقط.
تتحدث التقارير عن خطة إسرائيلية لإنشاء "حزام أمني"داخل جنوب لبنان يمتد من الحدود حتى خط نهر الليطاني، وهو ما يعادل نحو 10% من مساحة البلاد. وتشمل الخطة إخلاء عشرات القرى الحدودية التي يُقدَّر عددها بنحو 83 قرية، وإنشاء شريط عسكري بعمق يقارب سبعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مع انتشار عدة فرق عسكرية للحد من إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل. وقد شهدت مناطق حدودية مثل الخيام ومارون الراس اشتباكات متكررة خلال التوغلات الإسرائيلية، في حين أعلن حزب اللهاستهداف قوات ودبابات إسرائيلية في تلك المناطق.
ورغم وجود نقاش داخل إسرائيل حول حجم العملية وتوقيتها، فإن توسيع الحرب في جنوب لبنان يُنظر إليه كوسيلة ضغط غير مباشرة على إيران. فحزب الله يُعد أحد أبرز حلفاء طهران في المنطقة وأهم أدوات نفوذها الإقليمية، وبالتالي فإن إضعافه أو استنزافه قد يُستخدم كورقة ضغط في سياق المواجهة الأوسع مع إيران.
غير أن هذا السيناريو يحمل في طياته مخاطر كبيرة. فقد تعتبر طهران أن استهداف الحزب يشكل تهديداً مباشراً لنفوذها وأحد أهم عناصر ردعها في المنطقة، ما قد يدفعها إلى تصعيد أوسع عبر حلفائها في المنطقة، سواء في اليمن أو العراق وغيرها من الساحات.
في المقابل، قد ترى القيادة الإيرانية أن كلفة المواجهة الشاملة مرتفعة، فتُفضّل احتواء التصعيد أو القبول بتهدئة مؤقتة، خاصة إذا ترافقت مع ترتيبات ميدانية أو سياسية معينة. وفي ضوء ذلك، يبقى احتمال توسيع الحرب في جنوب لبنان أو محاولة إضعاف حزب الله كوسيلة ضغط مرتبطاً بدرجة كبيرة بكيفية رد ايران وحساباتها الاستراتيجية. فإذا اعتبرت طهران أن ما يجري يُهدد نفوذها وأدوات ردعها الإقليمية فقد تتجه إلى تصعيد أوسع، أما إذا رأت أن كلفة المواجهة الشاملة مرتفعة فقد تميل إلى احتواء التصعيد أو القبول بتهدئة مؤقتة.
في الختام، ييظل مسار هذا السيناريو مرهوناً أساساً بحسابات إيران وحدود ردّها، وما إذا كانت الجبهة اللبنانية ستتحول إلى ورقة ضغط لإنهاء الحرب، أم إلى بوابة لتوسيعها على مستوى الإقليم بأكمله.