هل النظام المالي الفلسطيني في خطر؟ وإلى متى يمكنه تحمّل الضغوط؟

2026-03-24 13:01:48

في ظل الضغوط المالية المتزايدة، يتكرر سؤال يبدو بسيطًا في صياغته لكنه عميق في مضمونه: هل يقترب النظام المالي الفلسطيني من مرحلة الخطر؟
 لكن السؤال الأهم اليوم لم يعد فقط حول وجود الخطر، بل حول مدة القدرة على تحمّله.
هذا الواقع لا يمكن اختزاله بإجابة حاسمة، لأننا لا نعيش حالة انهيار، لكننا في الوقت ذاته لا نعمل ضمن بيئة مستقرة. ما نواجهه فعليًا هو حالة من التوازن الحساس، الذي يستمر لكنه يزداد هشاشة مع مرور الوقت.
في نقاشات سابقة، جرى التركيز على ما يمكن تسميته "اقتصاد الفجوة"، أي الفارق المستمر بين الإيرادات المتاحة والنفقات القائمة. لكن النقاش اليوم لم يعد متعلقًا بأسباب هذه الفجوة، بل بقدرة النظام المالي على الاستمرار في إدارتها دون أن تتحول إلى مصدر خطر حقيقي.
تشير الأرقام إلى حجم الضغط القائم. فالدين العام يناهز 15 مليار دولار، وهو مستوى يوازي تقريبًا الناتج المحلي الإجمالي. كما تستهلك فاتورة الرواتب ما بين 900 مليون إلى مليار شيكل شهريًا، في حين تتراوح خدمة الدين بين 250 و300 مليون شيكل شهريًا. وفي المقابل، تعتمد الإيرادات على مصادر غير مستقرة، وعلى رأسها أموال المقاصة، التي تبقى عرضة للتقلبات والتأخير.
ورغم هذه المؤشرات، لا يمكن القول إن النظام المالي ينهار. فالمؤسسات لا تزال تعمل، والرواتب تُدفع ولو جزئيًا، والخدمات مستمرة. كما أن الجهاز المصرفي لا يزال يحافظ على درجة من الاستقرار، ويؤدي دورًا مهمًا في امتصاص جزء من الضغوط. لكن هذه الصورة لا تعكس استقرارًا حقيقيًا بقدر ما تعكس قدرة مستمرة على إدارة الأزمة.
تكمن المشكلة الأساسية ليس فقط في حجم الدين أو العجز، بل في طبيعة النموذج المالي نفسه. فالنظام المالي الفلسطيني يعمل دون أدوات سيادية مكتملة، ويعتمد على تدفقات إيرادات غير مستقرة مقابل التزامات ثابتة لا يمكن تأجيلها. هذا الاختلال البنيوي يجعل أي صدمة مالية تتحول سريعًا إلى أزمة سيولة، ويحد من قدرة النظام على امتصاص المخاطر كما هو الحال في الاقتصادات التقليدية.
ومع استمرار هذا النمط، لا يحدث الانهيار بشكل مفاجئ، بل يتشكل ما يمكن وصفه بـ"التآكل البطيء". حيث تتكرر الأزمات ذاتها: تأخر الرواتب، تراكم الالتزامات، وتراجع القدرة على التخطيط. ومع كل دورة جديدة، يصبح النظام أقل مرونة في مواجهة الصدمات.
في هذا السياق، يبرز دور الجهاز المصرفي كعامل توازن أساسي، لكنه في الوقت ذاته يحمل مفارقة مهمة. فالبنوك الفلسطينية تدير موجودات تُقدّر بنحو 22 إلى 25 مليار دولار، منها ما يقارب 17 إلى 19 مليار دولار ودائع، وهو ما يعكس حجمًا كبيرًا من السيولة داخل الاقتصاد.
غير أن هذه السيولة لا تتحول بالكامل إلى استثمار إنتاجي. فجزء منها يبقى ضمن توظيفات قصيرة الأجل أو موجهًا لتمويل العجز، بدل أن يُستخدم في مشاريع قادرة على توليد دخل مستدام. وهنا تظهر فرصة استراتيجية، لا تتعلق بزيادة الاقتراض، بل بإعادة توجيه الموارد.
تشير التقديرات إلى أن توجيه نسبة محدودة ومدروسة من الودائع، تتراوح بين 5% إلى 10%، عبر أدوات تمويل آمنة، يمكن أن يخلق محفظة استثمارية تتراوح بين 1 إلى 2 مليار دولار، دون المساس باستقرار الجهاز المصرفي. لكن هذا التوجه لا يعني استخدام أموال المودعين بشكل مباشر، بل تصميم أدوات استثمارية تضمن الحماية، وتوفر عوائد مستقرة.
وفي هذا الإطار، يمكن توجيه التمويل نحو مشاريع ذات جدوى واضحة، مثل مشاريع الطاقة التي تسهم في تقليل فاتورة الاستهلاك، أو مشاريع البنية التحتية التي تولد إيرادات مباشرة، إضافة إلى الاستثمار في التحول الرقمي، الذي يمكن أن يرفع من كفاءة الجباية ويقلل من الفاقد المالي.
كما يمكن تطوير نماذج شراكة تجمع بين القطاع المصرفي وصندوق الاستثمار الفلسطيني، لتشكيل منصات استثمارية موجهة نحو مشاريع استراتيجية طويلة الأجل. مثل هذه النماذج لا تعزز فقط فرص الاستثمار، بل تساهم أيضًا في توزيع المخاطر وخلق بيئة أكثر استقرارًا، وتحول السيولة من أداة لإدارة الأزمة إلى أداة لبناء الاقتصاد.
لكن في المقابل، فإن استمرار الاعتماد على الاقتراض لتمويل النفقات الجارية يضع ضغطًا إضافيًا على الجهاز المصرفي، ويحد من قدرته على لعب دوره التنموي. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الدور من دعم الاقتصاد إلى مجرد إدارة للسيولة، وهو ما يقلل من أثره الإيجابي على النمو.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أكثر حساسية من كل ما سبق: إلى متى يمكن أن يستمر هذا النمط من الإدارة المالية؟ وإلى أي حد تستطيع المالية العامة الفلسطينية تحمّل هذا المستوى من الضغط دون أن تصل إلى نقطة يصعب بعدها الاستمرار بنفس الأدوات؟
الإجابة لا ترتبط بزمن محدد بقدر ما ترتبط بهوامش التحمل. فالنظام المالي قادر على الاستمرار طالما توفرت ثلاثة عناصر أساسية: تدفق حد أدنى من الإيرادات، واستمرار قدرة الجهاز المصرفي على الاستيعاب، والحفاظ على مستوى مقبول من الثقة لدى السوق والمواطن. لكن هذه العناصر نفسها ليست ثابتة، بل تتآكل تدريجيًا مع استمرار الضغوط دون معالجة هيكلية.
ومع كل دورة تأجيل جديدة، تصبح القدرة على المناورة أقل، وتتحول إدارة الأزمة من خيار مؤقت إلى حالة دائمة. وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية: ليس في السؤال عن موعد الانهيار، بل في مدى استمرار التآكل قبل أن يصل النظام إلى نقطة يصبح فيها أي اضطراب إضافي كافيًا لإحداث خلل أوسع.
ورغم كل ذلك، لا يزال هناك هامش يمنع الانزلاق نحو الانهيار. لكن هذا الهامش ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية، بل يتآكل مع استمرار الضغوط.
وفي ضوء ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تجنب الانهيار فقط، بل في القدرة على منع الصمود نفسه من التحول إلى استنزاف طويل الأمد، والانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة توجيه الموارد نحو مسار أكثر استدامة.