من المقاصة إلى الوصاية ، أين نقف من إعادة تشكيل الدور؟
لم يعد ممكناً النظر إلى قرصنة أموال المقاصة باعتبارها مجرد أزمة مالية عابرة ، بل هي جزء من مسار سياسي متدرج يستهدف إعادة تعريف دور السلطة الفلسطينية وحدود قرارها الوطني . فما يُطرح اليوم من آليات لإدارة هذه الأموال وغيرها من المساعدات المالية لبعض الدول وربطها برقابة خارجية يعكس انتقالاً خطيراً من منطق الضغط المالي إلى منطق إعادة التشكيل السياسي .
لقد حذرنا سابقاً ، وفي أكثر من مناسبة ، من مخاطر الانخراط غير المدروس في المسارات السياسية التي أعقبت عدوان الإبادة على غزة ، ومن التعاطي المرن مع مفاهيم "الإصلاح" حين تُفرض من الخارج كمدخل لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني .
غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن جزءاً من الإشكالية كان في غياب وضوح سياسي كافٍ تجاه بعض المبادرات الدولية ، التي جرى التعامل معها بقدر من التسرع أو الغموض ، الأمر الذي أضعف القدرة على قراءة مآلاتها الاستراتيجية .
فما عُرف بخطة ترامب للسلام ، امتداداً لما سُمّي بـ"صفقة القرن"، لم يكن مجرد طرح سياسي ، بل إطاراً متكاملاً لإعادة تعريف العلاقة بين الأرض والسيادة والاقتصاد . ولم يكن التعاطي الفلسطيني الرسمي ، المرن أو غير الحاسم ، مع هذه الطروحات قائماً برأيي على تقدير كافٍ لخطورتها الاستراتيجية ، ولا لما يمكن أن تفتحه من مسارات لاحقة لإعادة تشكيل الواقع السياسي الفلسطيني .
كما أن الموقف من أحد مشاريع القرارات الأخيرة في مجلس الأمن الدولي ، والذي امتنعت عن التصويت عليه قوى دولية كبرى كروسيا والصين حول واقع ومستقبل غزة ، جاء دون وضوح سياسي يعكس حجم التحول الذي كان يجري ، في ظل سعي الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة مرجعيات الحل بعيداً عن إطار الشرعية الدولية ، واستبدالها بإرادة أمريكية أكثر انفراداً . وهو ما يعكس تحولاً في طبيعة التوافقات الدولية ، لا يقل خطورة عن مضمون القرار نفسه .
الأمر ذاته يتكرر اليوم في ملف إدارة قطاع غزة، حيث طُرحت تصورات تتعلق "بلجنة إدارة غزة" ضمن إطار ما يُسمى "مجلس السلام"، وبأدوار تنفيذية دولية لم تكن محددة المعالم ، بما في ذلك إشارات إلى شخصيات أممية مثل نيكولاي ملادينوف الذي تحدث امس عن شروط وقنوات التمويل . هنا تحديداً حول لجنة الإدارة ، برز غياب موقف فلسطيني واضح وحاسم ، بين القبول الضمني والتحفظ غير المُعلن ، وهو ما أضعف القدرة على التأثير في صياغة المسار ، وفتح الباب عملياً أمام احتمالات تدويل الإدارة بدل تمكين القرار الوطني .
إن جوهر الأزمة لا يكمن في تعدد المبادرات الدولية ، بل في غياب قرار سياسي فلسطيني موحد وواضح يحدد بدقة ما هو مقبول وما هو مرفوض ، ويمنع تحويل التدخل الدولي من دعم سياسي إلى وصاية تدريجية بقيادة الولايات المتحدة على القرار الوطني . فحين يُربط التمويل بالإدارة ، والإدارة بالرقابة ، تصبح السيادة نفسها موضوع تفاوض مستمر دون نهاية .
وفي هذا السياق ، تأتي أموال التمويل والمقاصة اليوم كأداة ضغط جديدة، لكنها أكثر خطورة ، لأنها تُستخدم لإعادة هندسة النظام السياسي من الداخل ، عبر فرض شروط مالية تتحول تدريجياً إلى شروط سياسية وإدارية تمس بنية القرار الوطني ، كما تمس الرواية التاريخية لشعبنا بمكوناتها المختلفة .
لقد أثبتت التجربة أن سياسة إدارة الأزمة والتكيف مع الضغوط لم تعد كافية ، بل أصبحت مكلفة سياسياً ووطنياً دون أن تكون مكلفة للأحتلال . فالتدرج في القبول بالشروط ، مهما كانت مبرراته ، يقود في النهاية إلى واقع جديد يُفرض كأمر واقع دون أن يُناقش بشكل استراتيجي مسبق يخدم رؤية استراتيجية فلسطينية واضحة .
إن المطلوب اليوم ليس مجرد إدارة للملفات ، بل إعادة تعريف للموقف السياسي الفلسطيني برمته ، يقوم على وضوح الإرادة السياسية والرؤية وجرأة القرار ، ومصارحة الشعب بحقيقة ما يجري دون تجميل أو مواربة . كما يقوم على إعادة الاعتبار للعامل الداخلي باعتباره مصدر الشرعية الأول ، لا مجرد متلقي للضغوط أو الترتيبات الخارجية .
وفي ظل هذا المسار المتسارع لإعادة تشكيل البيئة السياسية الفلسطينية ، فإن استحقاق مؤتمر حركة "فتح" الثامن لم يعد محطة تنظيمية أو منصة انتخابية تقليدية رغم اهمية ذلك وضروراته ، بل لحظة سياسية فاصلة ، تفرض إعادة تعريف دور "فتح" كحركة تحرر وطني ، لا كإطار إداري ، وتجديد أدواتها السياسية والتنظيمية ، بما يضمن استعادة زمام المبادرة الوطنية الواحدة ، لا التكيف مع مسارات تُفرض من الخارج ، ويؤكد دورها القيادي في حماية المشروع الوطني من أي انزلاق تدريجي نحو أشكال جديدة من الوصاية أو مصادرة القرار الوطني المستقل .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح".