هل العملة الأقوى في العالم على وشك أن تُغرقنا جميعًا؟

2026-05-08 11:51:02

قولوا “مبروك”، أو ربما من الأفضل أن تبدأوا بالقلق. الشيكل الإسرائيلي، تلك العملة الصغيرة القادمة من الشرق الأوسط، تحوّل إلى وحش لا يمكن إيقافه. في أبريل 2026 حدث ما اعتقد كثيرون أنه لن يحدث أبدًا: هبط سعر الدولار إلى ما دون 3 شواكل. نعم، قرأتم بشكل صحيح. هذا المستوى لم نشهده منذ أكتوبر 1995. ظاهريًا يبدو الأمر كالحلم؛ الرحلات إلى اليونان أصبحت أرخص، وآيفون الجديد يكلف عددًا أقل من الشواكل، يا لها من متعة. لكن قبل أن تفتحوا زجاجات الشمبانيا (المستوردة والرخيصة طبعًا)، يجدر بكم أن تفهموا أننا نعيش داخل “مفارقة العملة القوية”. فما يبدو وسام شرف للاقتصاد الإسرائيلي يتحول بسرعة إلى عبء استراتيجي قد يدمّر أهم محركات النمو لدينا.

كيف وصلنا إلى وضع أصبح فيه الشيكل أقوى من الجميع؟ الأمر ليس صدفة. الشيكل يحصل على “دفعة توربو” خفية وعلنية. فمن جهة، هناك قطاع الهايتك الإسرائيلي، آلة إنتاج الدولارات. ففي عام 2025 وحده، بلغت صفقات الاندماج والاستحواذ في قطاع التكنولوجيا نحو 80 مليار دولار. شركات مثل Wiz ضخت أنهارًا من الدولارات في السوق، وهي دولارات يجب تحويلها إلى شواكل لدفع الضرائب والرواتب. أضيفوا إلى ذلك ثورة الطاقة، واتفاقيات الغاز مع مصر بقيمة 35 مليار دولار، والصادرات الأمنية التي تحطم الأرقام القياسية بعد النجاحات العملياتية في السنوات الأخيرة. لكن القصة الحقيقية تكمن في “آلية التحوّط” لدى المؤسسات المالية الكبرى. فعندما ترتفع بورصة نيويورك، تضطر صناديق التقاعد إلى بيع الدولارات للحفاظ على توازن محافظها الاستثمارية. النتيجة؟ كلما نما العالم، ازداد الشيكل قوة، بغض النظر عن الوضع الأمني هنا.

الآن، تخيلوا شركة ناشئة جمعت 10 ملايين دولار عندما كان سعر الصرف 3.70 شيكل للدولار. كان لديها 37 مليون شيكل لدفع الرواتب. أما اليوم، ومع سعر 2.90 شيكل للدولار، فلم يتبقَّ لديها سوى 29 مليون شيكل. بوم. تبخّر 8 ملايين شيكل في الهواء بسبب سعر الصرف. وهذا ليس أمرًا نظريًا فقط. ففي النصف الأول من عام 2026 بدأنا نرى قوائم التسريحات تطول، بل وحتى إغلاق مراكز تطوير لشركات عالمية عملاقة داخل إسرائيل. فعندما تصبح تكلفة العامل الإسرائيلي من الأعلى عالميًا بمقاييس الدولار، يبدأ مقر الشركة في الخارج بالتساؤل: “لماذا لا ننقل التطوير إلى بولندا أو الهند؟”. وتشير معطيات الدراسات الأخيرة إلى أمر مقلق للغاية: نحو ثلث شركات الهايتك تفكر بالفعل في نقل نشاطها إلى الخارج.

لكن الهايتك ليس سوى قمة جبل الجليد، والخطر الحقيقي يكمن في المكان الذي تتحول فيه النعمة إلى نقمة. هناك مفهوم اقتصادي يُعرف باسم “المرض الهولندي”، وهو مصطلح وُلد في ستينيات القرن الماضي بعد اكتشاف حقول غاز ضخمة في هولندا، ما أدى إلى ارتفاع العملة المحلية وتدمير الصناعة التقليدية. يحدث ذلك عندما ينجح قطاع واحد بشكل مفرط — مثل الغاز أو الهايتك لدينا — فيغرق السوق بالدولارات ويقوّي العملة إلى مستويات غير منطقية.

انظروا إلى الأرقام: وفق بيانات بنك إسرائيل والتقارير الأخيرة، تُقدَّر قيمة اتفاقيات الغاز مع مصر وحدها بنحو 35 مليار دولار. وعندما نضيف إلى ذلك فوائض التصدير القياسية في المجالين الأمني والتكنولوجي، يصبح الشيكل “مختنقًا” من كثرة الدولارات. النتيجة عبثية: العملة القوية تخنق بقية الاقتصاد. ففي الأطراف، في مصانع الغذاء والنسيج التقليدية، لا يمكن الصمود مع دولار عند 3 شواكل. بالنسبة لهم، هذه “ضربة قاضية” للربحية، لأن تكاليفهم بالشيكل بينما المنافسة العالمية تُحتسب بالدولار. وقد نجد أنفسنا في دولة مليئة بـ“مراكز الإدارة” اللامعة وأبراج الزجاج في تل أبيب، بينما تُغلق المصانع في بقية أنحاء البلاد الواحد تلو الآخر لأنها أصبحت ببساطة غالية جدًا بالنسبة للأسواق العالمية.

وإذا كنتم تظنون أنكم ربحتم من استثماراتكم في سوق المال، ففكروا مرة أخرى. هل تتذكرون كيف اندفع الجميع للاستثمار في مسارات S&P 500؟ لقد تحولت هذه إلى “فخ عوائد”. ففي عام 2025، حتى عندما ارتفعت وول ستريت، كان الشيكل يزداد قوة بوتيرة حادة لدرجة أنه محا معظم أرباح الإسرائيليين. مدخراتكم التقاعدية، المستثمرة بالدولار في الخارج، أصبحت تساوي عددًا أقل من الشواكل في السوبرماركت.

فهل يستطيع بنك إسرائيل إنقاذنا؟ المحافظ يقف بين المطرقة والسندان. فإذا اشترى البنك الدولارات بشكل مكثف، فقد يشعل التضخم. وإذا خفّض الفائدة بسرعة كبيرة، فقد ينهار الشيكل بطريقة غير منضبطة. بنك إسرائيل يفضّل “استقرارًا معتدلًا”، لكن السوق أقوى من البنك. وإذا استمر الاتجاه ووصل الشيكل إلى 2.75 أو، لا سمح الله، إلى 2.50، فسندخل في “نهاية اقتصادية كارثية” حقيقية. هذا يعني انهيار الصناعة التقليدية، وتحول الهايتك إلى مجرد “مراكز إدارة” — أي وضع تنتقل فيه العقول والتطوير الحقيقي إلى الخارج بحثًا عن تكاليف أكثر منطقية، تاركة لنا هنا مكاتب فاخرة فقط من دون القيمة المضافة الحقيقية. وسيؤدي ذلك إلى أزمة مالية مؤلمة، إذ ستفقد الدولة طبقة دافعي الضرائب الرئيسية لديها، وستجد صعوبة في تمويل ميزانية الأمن الضخمة.

الشيكل القوي هو دليل على أننا دولة مذهلة ذات اقتصاد قوي، لكن “الإفراط في الشيء الجيد” قد يتحول إلى سمّ. نحن بحاجة إلى تحرك مشترك: على بنك إسرائيل أن يتدخل بحزم أكبر في سوق العملات الأجنبية، وعلى الحكومة أن توفر شبكة أمان للمصدرين وأن تخفّض تكاليف الإنتاج مثل ضريبة الأرنونا والكهرباء. لا ينبغي أن تتحول نعمة العملة القوية إلى لعنة على اقتصادنا.

لأنه في النهاية، ما فائدة شراء آيفون بسعر منخفض إذا لم يعد لدينا راتب لشرائه؟ لا تدعوا الأرقام الجميلة تخدعكم؛ فالمعركة على مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي تجري الآن، مع كل جزء من الأغورة في سعر الصرف. وفي النهاية، وكما هو الحال دائمًا، فإن الحكمة والإدارة الصحيحة للمخاطر ستنتصران على نشوة اللحظة.

*الكاتب:
دانيئيل شابكس هو المدير التنفيذي لشركة “هيرشوفيتس فايننس”، ومؤلف كتاب “ليس فقط للمليونيرات”. ولا ينبغي اعتبار ما ورد أعلاه استشارة استثمارية أو توصية أو رأيًا بشأن جدوى الاستثمار في أي منتجات مالية من أي نوع