تكلمت الرجولة بالعنف.. فكانت (هـ) الضحية
نابلس- رايــة:
فراس أبو عيشة- هي فتاةٌ كباقي الفتيات، تحلم بحياةٍ رغيدةٍ وسعيدة، لبست ثوبها الأبيض في السابعة عشر من عمرها، ودخلت إلى ذلك القفص الذهبي، وفي آمالها وأحلامها عيشةٌ وحياةٌ هنيئةً يملؤها الفرح والبهجة، ولكن حصل ما لم ترسمه في مُخيلتها، فكان زوجها أشبهُ بـِ"وحشٍ آدميٍّ" على حد قولها، ليقلب آمالها وحياتها إلى جحيمٍ لا يُطاق.
المواطنة (هـ)، 42 عاماً، من إحدى قرى قضاء مدينة نابلس، متزوجة منذُ الانتفاضة الأولى، وهي أمٌ لـِستةِ أولاد، تعرضت لأشد أنواع العنف من زوجها، ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل كان ذويها يُعنفونها بالضرب أحياناً، وباتوا يتحكمون بحياتها الزوجية كأنها حياتهم، ويتلفظون بألفاظٍ وكلماتٍ لم تتوقع أن ينطقوا بها يوماً، وخاصة من والدتها التي كرست سنين عمرها في تربيتها، وكانت السبَّاقةُ في العنف ضد ابنتها.
تستهل المواطنة (هـ) حديثها "تزوجت في زمن انتفاضة الحجارة عام 1989، وتوقعت أن أعيش حياةً رغيدةً كغيري من البشر، ولكن خابت ظنوني وتوقعاتي، فكان زوجي يخرج من المنزل، ولا يسأل عني أو يُعبرني، ولا أعلم أين يذهب".
وسارت الأيام يوماً تلو الآخر، ورُزقت بمولودها الأول، ثم الثاني، فالثالث، وحتى السادس، وبقي الوضع على حاله، فلا هو يسأل عنها، ولا هي تسأل عنه، كي لا تقع بمناوشاتٍ معه، لأنَّها تعلم طبيعة زوجها "الوحشية" على حد تعبيرها.
وتضيف "عندما كُنت أُريد أن أشتري شيئاً من أساسيات المنزل وحاجياته، أو أُعالج أحداً من أبنائي، كنت أبحثُ عن زوجي خارج المنزل، وفي الأماكن المُعتاد أن يكون فيها، فتارةً لا أجده، وتارةً أُخرى أجده، ولكنه يرفض تزويدي بجزءٍ من المال، وحُجته الواهية أنَّهُ لا يملكُ مالاً".
ودموع الألم تنزف على وجنتيها، تُتابع "حينما تتخطى قدما زوجي الخطوة الأولى من بوابة المنزل، يسألني عن ماذا أعددت له من طعامٍ للغذاء، ولأنني لا أملكُ شيئاً من المال، والطعام الذي في المنزل هو الخبزُ والزيت والزعتر فقط، فأضعُه له، ومرةً واحدةً، يقلب إِناء الزعتر أرضاً، ويسكب الزيت على ملابسي وجسدي، وإذا قُلت له كلاماً لأُدافع عن نفسي، أو صرخت في وجهه، ينهالُ بالضرب على وجهي وجميع أجزاء جسدي، ويشد شعري، وينتشله من جذوره، وأحياناً يغلي كوباً من الزيت ويرشقه عليَّ بشكلٍ عشوائي".
وتُكمل "تعرضت يداي وأجزاء عديدة من جسدي للكسور بفعل الضرب، وللحروق والجروح الغائرة بفعل الزيت المغلي، وتوجهت للمستشفى للعلاج، وكُنت أحصل على تكاليف العلاج ممن حولي، وأهلي، وأحياناً يحول الأمر دون أن أدفع".
ولم يكن الأمر مقتصراً على هذا الحد فحسب، فكان لأبنائها الذكور النصيب من العُنف أيضاً، فجعل جلودهم مُحمرةً حيناً، ومُزرقةً أحياناً أُخرى، بفعل الضرب المُبرح بالعُصيِّ، والتي كانت تتكسر على أجسادهم، كأنَّه "وحشٌ أدميٍّ" كما وصفته والدتهم، وأما أبنائها الإناث فكان لهُن نفس الجزاء، ولكن يُضاف إلى ذلك تعرضهن لشد شعرهن، وتمزيقه، أو قصه.
وعن دورها، تُبين الزوجة "لجأت للقضاء مراراً وتكراراً، لأطلب حقي وحق أبنائي في النفقة، ولكن القاضي يُصلح بيننا، ويتعهد زوجي بالنفقة، ولا أحصل على أي نفقة، وأهلي يجبرونني على العودة والاستمرار في حياتي الزوجية، من أجل أبنائي ومستقبلي، وعندما أرفض، يتهجمون، وينهالون عليَّ بالضرب، وأعود من حيث أتيت، ومن نقطة الصفر".
وبعد أيام من عودتها إلى المنزل بعد أن لجأت للقضاء، بدأ الوضع يتطور، فأحضر زوجها لأول مرة طعاماً وخبزاً، وبعضاً من الفواكه والخضار، ظنت أنَّه لها ولأبنائها، ولكنه سُرعان ما دخل إلى غرفته، وأغلق الباب على نفسه، وصدحت أصوات الأغاني، وبعد سويعاتٍ قليلة خرج من الغرفة والمنزل، ودخلت الزوجة على غرفته، لترى أنَّ كل ما كان بحوزته، قد التهمه كاملاً، ولم يترك لنا منه شيئاً.
وبحرقةٍ، تقول "بقيت أُعاني أنا وأولادي، وأُحاول اللجوء لأخذ الطعام من أهلي، وفقدت إحدى بناتي في عمر الأربعة أعوام بسبب سوء التغذية، وإهمال زوجي لعلاجها، وعندما نجح أحد أبنائي في الثانوية العامة، وحصل على معدل مُمتاز، منعه والده من إكمال دراسته، وأجبره على أن يذهب للبحث عن لقمة عيشه وعيشهم، وبدأ ابننا بالعمل، ولكن ما كان يتقاضاه من مبالغ مالية، يأخذه زوجي، ولا يشتري لنا منه شيئاً، سوى الخبز وبعض الحاجيات البسيطة".
وتُوضح "تقدم شاب لِطلب يد ابنتي، وعرفنا عن الشاب أنَّه فاشل، وفي قمة السوء، فهو يشرب، ويسكر، ويزني، وأخلاقه سيئة، ورغم هذا، وافق زوجي على زواجها، وهي الآن تعيش حياةً صعبةً كمثلي".
وابنتها الأخرى نجحت في الثانوية العامة بامتياز، ورفض والدها تعليمها، فلجأت للقضاء، ورفعت قضيةً عليه، وذهب إلى المحكمة، فرفع قضية "ضم" لإسقاط قضيتها، وتعهد بأن يُنفق عليها، ولم يفِ بوعده وتعهده، فخرجت للعمل في مستشفى داخل مدينة نابلس، وأصبح يُلاحقها، ويُهددها إن لم تُعطه المبلغ الذي تتقاضاه، فرفضت، فما كان منه إلا أن حرمها من العمل كذلك، مما جعلها تحاول الانتحار عدة مرات.
ولجأت الزوجة للقضاء مرةً أُخرى، ومراراً عديدة، ورفعت قضية "تفريق نزاع وشقاق"، واعترف الزوج بأنَّه ضربها واعتدى عليها هي وأبنائها، ومنع بعضهم من إكمال تعليمهم والعمل، ورغم ذلك، مارس أهل الزوجة الضغوط لإسقاط القضية، وهددوها، وقالوا لها على حد قولها "ما عنا بنت تحرد، وترجع على بيت أهلها"، فأسقطت القضية فوراً.
وتبين أن الوضع بدأ يسوء أكثر فأكثر، فالبيت أُجرة، وزوجي لا يدفع الأجرة، وتراكمت الديون، فعملت في شؤون وكالة الغوث، وعندما تقاضيت الراتب الأول، أخذه مني كاملاً، فأصبحت بلا أي مالٍ لكي أجلب بعضاً من الطعام لي ولأبنائي".
وحاولت الزوجة والأبناء الهروب من المنزل، وبالفعل جمعوا أمتعتهم للخروج والهرب، ونجحوا في ذلك، واتصل بها زوجها لأن تعود إلى المنزل، وهددها إن لم تعد، فتدخل أشقاء الزوج ولأول مرة لحل النزاع والخلاف بينهما، وقالوا لها أنَّه لا يجوز أن يسكن كل واحدٍ منكما في منزل.
وتُنهي "بعد ذلك، أرغمني أهلي وأشقاء زوجي على العودة للمنزل الذي نشأت وبدأت منه علاقتنا الزوجية، فجاؤوا إلى المنزل الذي أسكن فيه مع أبنائي، فأخرجوني بالقوة، وأعادوني لمنزل زوجي، رغم رفضي لذلك، ولكن أُجبرت، وعادت حياتي لجحيمٍ جديد، لا زال مستمراً حتى الآن".