الربيع المسلوب خلف "خط النار"

2015-02-26 07:30:00

رام الله- رايــة:

فارس كعابنة-

من سمع عن حكاية الترحيل القصري من أرض "الجثة"، او من سمع بهذا المسمى من قبل؟

من يعلم أن في فلسطين أرضا مسلوبة وربيعا يلون اوديتها، ويذبل كل عام بهدوء وصمت تحت اقدام الجنود وبين ضجة صوت الرصاص.

 

على الأغلب لا إجابة، لإن النتيجة تقطع الشك بأن ارض "الجثة" الفلسطينية أسم لا يعرفه ولا يشتاق له إلا من هجر قصرا.

الجديد في هذه الحكاية والذي يدفع للوقوف على تفاصيلها من البداية، هو أن الاحتلال هجر الفلسطينيين منها بحجة عسكرية لكنه يقصدها كل يوم في رحلات للتنزه، بينما ساهم منعها على اهلها الذين رحلوا قصرا، ساهم في تضييق المساحات الرعوية عليهم، كما ان ثمة حكاية اخرى خلف ما يسمى "خط النار".

إلى أقصى الشرق من مدينة رام الله وعلى المرتفعات الغربية المطلة على البحر الميت أدارت اسرائيل معركتها بصمت للسيطرة على أرض "الجثة"، وهجرت اهلها الفلسطينين عام 1986 وهم من قرية دير دبوان إضافة إلى عائلات بدوية، بإعلانها منطقة عسكرية لتدريبات جيشه، واستخدمتها في مخطط تهجير عدة عائلات بدوية من مناطق سكنها التي تبعد عن تلك الأرض وتقع ضمن المنطقة المستهدفة اسرائيليا للتهجير بشكل كامل، في المناطق المحاذية لطريق "المعرجات".

وتتكشف تفاصيل أخرى في ربيع الجثة، فخط النار الذي هجرت اسرائيل بحجته عدة عائلات بدوية من ارضها ومناطق سكنها في منطقة "المعرجات" المحاذية للجثة، هو ذلك الخط الذي يحيط منطقة "الجثة" من الجهة الشمالية، حيث وجدت العائلات المهجرة والتي سكنت المنطقة قبل ان يعرفها الاحتلال، وجدت نفسها تقع ضمن حدود الخط، لتدفع بها سلطات الاحتلال الى الهجرة القصرية لمكان آخر خارج الخط، بحجة عسكرية.

ويقول مواطنون لـ"رايــة"، ممن هجروا من مناطق سكنهم بالقوة خلف خط النار المزعوم، ان ما يسمى بسلطة "تنظيم الاراضي" الاسرائيلية، حملت معها خرائط المنطقة وقد رسم عليها خطا باللون الاحمر وهو الذي اوقع بخيامهم داخل شباكه وحضرت جرافات الاحتلال بموجبه لهدمها وطردهم من المنطقة، وتعود لعائلة "المهاني".

 

في يومنا هذا وبينما يصحوا أصحاب الاغنام صباح كل يوم وجل تفكيرهم ما اذا كان هنالك تدريب عسكري في "الجثة" ام لا، قد يبدو الامر في اسوأ حال عند إقامة تدريب، ليضطر كل صاحب قطيع غنم الى الانزواء في مكان محصور للرعي، هربا من مناطق وصول الرصاص. 

 

لكن تلك الارض سرعان ما تتحول الى أرض للترحال بالنسبة للاسرائيليين منهم مستوطنون ومنهم ضباط في جيش الاحتلال، ففي أيام عدة يقصدونها بجيبات ومعهم أبنائهم ويتجولون في مناطق تختلف عن أية مناطق سياحية اخرى، حيث الاجواء المعتدلة في الربيع والتضاريس المتنوعة، تلال واودية وسهول.

وتسبب منع "الجثة" على الفلسطينيين بانحسار مناطق الرعي لأصحاب الاغنام والتي كان يبلغ تعدادها حوالي 15 الف رأسا في الجثة قبل تحويلها لمنطقة عسكرية وطرد اهلها منها.

 

يقول ابو فايز "63 عاما" من قرية دير دبوان شرقي رام الله، ممن رحلتهم اسرائيل قصرا من ارضهم في "الجثة": "اليوم لا مكان لنا للرعي بأغنامنا، في حين يأتون لها بسياراتهم ذات الدفع الرباعي يوميا للتنزه في تلالها".

"كنا نزرعها بكافة المزروعات البعلية، وكل قمحنا كان منها، ومساحات الرعي لإغنامنا كانت واسعة"، يضيف مستذكرا ربيع الجثة الذي عايشه في صغره وقد نهض من جانب صخرة كان متكئا عليها وقطيع من الاغنام بالقرب منه حيث المساحة الضيقة للرعي شرقي قرية دير دبوان، والتي يشتهر أهلها بتربية قطعان كبيرة من الأغنام.

ويتابع لـ"رايــة": "امس نزل اليها حوالي 10 جيبات مدنية، من الطريق الوحيد الذي كنا نسلكه من بلدة ديردبوان للوصول الى "الجثة".

ينهر بحفيده الطفل، للحاق بالاغنام كي لا تدخل في منطقة مزروعة، ويتابع"اليوم انا مديون ب90 الف شيكل للاعلاف، لو كنا في الجثة لاعتمدنا نصف السنة على الرعي بلا اعلاف".

وتعتبر العائلات التي تعتمد على رعي الاغنام كمصدر رزق لها في قرية ديردبوان ان رحيلهم القصري من الجثة كان الخسارة الاكبر، لا سيما وهي من اجمل المناطق وانسبها لتربية الاغنام.

"30 بئرا فيها لولاها لمات النازحين عطشا في النكبة"، يقول ابو فايز بحسرة بدت على وجهه، ويضيف "قرى برقة وبيتين ورمون ومخماس، ومن سردا أيضا يقولون كنا في الستينيات ننزل للزراعة في الجثة ونملأ بيوتنا قمحا".

ويكمل "وادي ابو فهيد، جور الحمام، الطبطب، أسماء لا يعرفها جيل اليوم".

يزهر ربيع الجثة في كل عام اجمل مما سبقه، وتتلون وديانها بورود مختلفة، فهي أرض تشبه هضبة تتربع على مرتفعات ممتدة على مساحة واسعة، يحدها من الشمال وادي الفوار، ووادي القلط من الشرق، وجنوبا وادي "الماقوق" وهو امتداد لوادي "السيق".

كانت كنزا للمجتمع الرعوي الفلسطيني واصبحت متنزها للمستوطنين.