الهروب من شطة...حنيني يسترجع الذاكرة

2015-03-12 18:07:00

رام الله - رايــة:

ايهاب الريماوي

في لقاءه عبر برنامج "شاهد على العصر" الذي يبث على قناة الجزيرة الفضائية، الاسير المحرر عبد الكريم حنيني يروي ويتذكر محاولة الهروب من سجن شطة في مايو عام 1998.

بعد اجتماعات طويلة متتالية وبسرية تامة عزمنا على بدء حفر نفق في أرضية السجن، كنا نعلم بالطبع أن الامر ليس سهلاً، وأننا قد ندفع أرواحنا ثمناً لذلك ولكننا أعلنا التحدي. مذكرات ابراهيم شلش

بداية الفكرة:

يروي عبد الحكيم حنيني أن فكرة الهروب من السجن بدأت من عباس شبانة وجميل مسك وماجد الجعبي واستطاع هؤلاء تهريب مناشير حديد من خلال البوسطة القادمة من سجن عسقلان.

كان البعد من سور الزنزانة والسور الخارجي مسافة 20 متراً وكنا نخرج من ساحة السجن ونرى الجبال وكان اسرى منطقة جنين يعرفون المنطقة تماما وهذا ما شكل دافعاً كبيراً للهرب ووقع القرار وكان لا بد من البدء بالخطة.

في البداية كان يجب تفريغ الغرفة التي يجرى فيها الحفر وهي غرفة رقم "16" من جميع الاسرى أصحاب الاحكام الخفيفة وأي أسير آخر متردد في الهروب لأننا نعلم أن ثمن اكتشاف ما نقوم به كبير ففيه عقاب وعزل وتعذيب.

وأتذكر الاسير المحرر عبد المعين مسلماني يضيف حنيني الذي كان متبقى له القليل للإفراج لكنه أصر أن يكون جزء من الخطة وقال لي " أنا أقبل أن أكون رباط في حذاء إنسان مجاهد مقاوم يتسبب لهؤلاء اصحاب المؤبدات أن يروا الحرية".

وكان للأسير مسلماني الدور الأبرز في خلع البلاطة وكان حجمها 20/20 سم، وكنا نحتاج أن نخلع بلاطة واحدة بهذا الحجم، وكيفية الدخول إلى النفق من خلال رفيع اليدين إلى أعلى لكي يصغر حجم الكتف الذي يعد أضخم أجزاء الجسم.

الخطوة الاولى وهي الأصعب في حفر النفق كانت خلع البلاطة وحتى لا يتم كسر البلاطة اثناء الحفر أحضرنا بلاطة ثانية وأخفيناها من خلال لفها بالقصدير ووضعها على الطاولة ووضعنا عليها البلاطة الكهربائية التي نطبخ عليها.

واستمر الحفر طيلة 77 يوماً، ومع بداية حفر البلاطة كنا نحضر "برايات حديدية" التي تأتي من" الكنتين" ونأخذ شفراتها ونضعها على قلم حبر أو قطعة حديد ونجعلها حادة، و استمر خلع البلاطة مدة أسبوع.

’’ أنهينا مترين ونصف من الحفر في عمق الأرض ثم اتجهنا ناحية الجدار بتقدير المسافة من نافذة الغرفة الضيفة ورسم مخطط ذاتي لمعرفة الاتجاه الذي سنحفر فيه، وبعد حفر ما يقرب من سبعة أمتار عرضياً أنشأنا جسراً من الخشب كي لا يتساقط التراب فوقنا بسبب وجود شارع تمر عليه الشاحنات يومياً’’ مذكرات ابراهيم شلش

تذويب تراب النفق:

كان الاسير هلال جردات يعمل في مغسلة السجن وخلف هذه المغسلة حمام مهجور والمجاري تتجه إلى المجاري الرئيسية وكانت مصلحة سجون الاحتلال تعمل على أن تكون المجاري تخت غرف السحن.

وكانت هذه فرصة ذهبية أن نذوب التراب في هذا المرحاض، والتراب الاحمر كان يسير لمسافة طويلة وأخرجنا من النفق حوالي 17 طناً من التراب وهذه الكمية كلها قد ذوبناها.

وجردات كان يومياً يخرج لغرفة الغسيل ومعه برميل أسود وثلثي البرميل من التراب وفوقه الملابس وكان يتم تذويب التراب اثناء النهار.

وحتى لا نصبح محل شك انتقلنا إلى خطة بديلة من خلال حفر نفق تحت المرحاض الذي تجرى فيه عملية تذويب التراب حيث يتم الدخول والخروج إلى المرحاض من خلال النفق.

الورطتين:

عندما قطعنا مسافة في حفر النفق، فوجئنا بأكثر من 100 شرطي يقتحمون أقسام السجن، ويقولوا لنا وجدنا تراب وعلى ما يبدو أن هناك عمليات حفر تجرى في السجن، وهذا ما نفيته لهم كوني كنت ممثلاً للأسرى وشرعوا في تفتيش الغرف وبفضل الله لم يجدوا شيئاً حيث كانت البلاطة مغطاة بشكل لا تظهر للعيان وعملنا خلطة من معجون الاسنان والحلاقة تبدوا كالإسمنت المحيط بالبلاط.

استدعيت للتحقيق بعد أن اكتشفوا في غرفتي مناشير الحفر وقلت للضابط انا فلاح ابن فلاح وأعلم أن هذا التراب الاحمر لا يمكن الحفر فيه وعلى بعد متر أو مترين يصبح كالباطون وفكر في عقلك كيف يمكن لأسير أن يحفر في هذا التراب.

وسألني الضابط عن المناشير الذي وجدوها في غرفتي وقلت له أنا متدين بس والله هذا الكلام غير صحيح وذلك لأن المناشير أحضرت بغير علمي إلى غرفتي أثناء التفتيش ظناً من الاسرى أن التفتيش لن يطول غرفتي كوني ممثل الاسرى.

وأضفت له أنه على ما يبدوا أن هناك سجان وضعها في الغرفة كي يعاقبني وانا أقسم لك أني لم أكن اعرف بوجودها وهذا اقنع مدير السجن لأن موقف مماثل حدث في سجن الكرمل بعد أن ضبطوا سجان يضع سكين في أحد الزنازين كي يورط الاسرى.

أما القصة الثانية كانت عندما وجدوا كمية هائلة من التراب في الخارج، وكان قرار مصلحة السجن اخراج كافة الاسرى من غرفهم، وأن يفحصوا كل بلاطة في الزنازين، وأيقنا حينها أن الامور قد كشفت وبدأنا بتحضير أنفسنا للعقاب، وبحمد الله أهدينا لطريقة أمنية رائعة حيث حضرنا أكل وفرشناه على البلاطة التي تم خلعها وجلسنا، وعندما حضر الضابط وهو عربي درزي إلى غرفتنا بدأنا بدعوته لمشاركتنا الأكل، وقال لنا نحن العرب من عادتنا أن لا نقيم الناس عن الاكل، وأضاف سأفحص بلاطات الغرفة، وفحصها كلها إلا بلاطة النفق.

الأيام الأخيرة:

عندما قطعنا مسافة 12 متراً في حفر النفق بدأ الأكسجين ينفذ وفكرنا بالبحث عن طريقة لإيصال الاكسجين، وعملنا على تصميم بوق من قماش وبلاستيك ووضعنا مروحة على باب النفق وعبر الانبوب نمده إلى آخرالنفق من أجل تزويد الحفار بالهواء، وعندما يتقدموا بالحفر كان التعب الجسدي واضحاً عليهم.

’’نجحنا في عمل فتحة صغيرة خارج النفق تبعد أمتاراً  قليلة عن برج عسكري للمراقبة’’ من مذكرات عباس شبانة .

وكانت الخطة أن نحفر إلى ما بعد الشارع، لكن هناك قناعة أصبحت لدى إدارة السجن بأن أمر خطير يعد الاسرى له، فحفروا جوار السجن خندق لمسافة متر ونصف ولم يجدوا شيئاً واثناء الحفر كسرت معهم الماسورة القادمة من الحمام المهجور الذي نذوي التراب فيه، وعندما كسروها شاهد الضابط اثار التراب في الماسورة وأحضروا مجرفة حديد طويلة واكتشفوا التراب، وسأل الضابط أحد السجانين هل من المعقول أن هناك خلل، ورد عليه السجان بأن هذه الماسورة قادمة الحمام المهجور، وأمره على الفور بالتوجه نحو الحمام ودخل السجان القسم وجاء إلى المغسلة وأبعدها حيث يقع باب الحمام خلفه، وقال للضابط عبر جهاز اللاسكي بأن الباب مغلق تماماً ولا يمكن فتحه، وقال له الضابط بقي ساعة وننهي دوامنا وكان يومها يوم الخميس.. سنفتح باب الحمام يوم الأحد ونرى ما بداخله.

بعد ذلك قررنا حفر فتحة في الجدار ما بين غرفة "16" والغرفة المجاورة على اساس أن نخرج يوم السبت، وفي يومي الجمعة والسبت كان لا بد من اجراء عملية فتح طريق بين الغرفتين لكي نهرب نحن الـ24 أسيراً، وبدأنا بحفر حفرة في السور بين الغرفتين وكانت الحفر تحت "الأبراش"، وهذه العملية تصدر صوتاً مرتفعاً لأننا كنا نحفر في الباطون.

فكرنا بخطة بعمل فوضى في السجن لأن عملية الحفر بين الغرفتين ستسغرف مدة 4 ساعات، وكانت أفضل طريقة هي عمل مبارة لكرة الطائرة والسلة اثناء "الفورة" وشكلنا فريقين وبدأ التشجيع والصراخ وانقسم الاسرى بتشجيع فريق والفريق الآخر، وفي هذه الفترة استطاع الشباب أن يحفروا الحفرة بين الغرفتين

ليلة الهروب:

اعددنا سلك كهربائي يصل داخل النفق وفيه لمبتين كي ينور النفق، والخروج كان من جانب الجدار لأن الوقت كان يداهمنا، وبقيت أنا على جانب الزنزانة وإذا أنرت الإضاءة يعرف الشباب الـ23 داخل النفق أن الطريق آمان واذا أغلقت الاضاءة أن هناك خطر، والبرج القريب من فتحة الجدار رصدناه طيلة اسبوعين وكنا نسجل كل حركة ترجى فيه.

’’حين وجدنا الفرصة مناسبة خرجنا أنا وابراهيم وأخ ثالث من الفتحة إلى هواء العالم الخارجي، وبحركات خفيفة من المشي السريع تخطينا بضعة أمتار خارج الجدار، تحدونا أمنيات على وشك أن تكون واقعاً’’ من مذكرات عباس شبانة.

وقطعوا الشارع وجلسوا بين أشواك جافة وأول من خرج هو الاسير ابراهيم أبو حفيظة وكان جميع الاسرى حفاة وكان أحد الاسرى يرتدي حذاء وعند خروجه عمل صوت على الحصى الموجودة بجانب الشارع، حينها بدأت كلاب الحراسة الموجودة داخل السور بالنباح وبصوت مرتفع وتقفز على سور السجن، كنت حينها أراقها من شباك الزنزانة ما يحدث.

فاتصل المراقب الرئيسي على الجندي الموجود على البرج ويقول له ماذا يحدث لماذا تنبح هذه الكلاب، ويرد عليه الجندي لا يوجد شيء الحركة طبيعية، المراقب يقول له احمل سلاحك واستعد وشغل الكشاف، أنا قادم لفحص المكان المحيط بالسجن.

’’ بينما نحن نغوص أكثر وأكثر في فرحة قرب التحرر فوجئنا بكلاب بوليسية لمحتنا عن بعد وشرعت تنبح وتتراكض تجاه الجدار وترغم الجندي المراقب على النظر إلى الجهة التي كنا نسير فيها وبعدها أضواء ساطعة سلطت بالقرب منا فرمينا أنفسنا على حقل من العشب وإذا به جاف كالحجارة، يصدر أصواتاً تغذي شكوك من لم يستطع الجنود، ولم نكد نرفع رؤوسنا حتى لمحناهم يتراكمون حولنا بلمح البصر’’ من مذكرات عباس شبانة

وفوراً اعلنت حالة الطورائ في السجن، واقتحوا كافة الغرف وخاصة غرفة رقم "16" حيث اقتادونا جميعاً إلى الزنازين وصادر كل اغراض الاسرى وابقوا فقط الغيار الداخلي ومنشفة لكل أسير حتى أنهم صادروا القماش الخارجي للفرشات.

يختم حنيني"لا شك أن هذه التجربة كانت نقطة منيرة للأسرى في مواجهة جبروت السجان، وأن إرادة الانسان تتغلب على أي قوة بشرية مهما كانت".