عائلة المصري: بيت العمر فجره الاحتلال بلمح البصر
رام الله :راية
ملاك أبو عيشة -
بعد سنتين من الانتظار، تحققت أخيراً أحلام أم كرم المصري ببناء منزل العمر الذي لطالما انتظرته على أحر من الجمر، منزلٌ يؤويهم من حر الصيف وبرد الشتاء، منزلٌ يتشاركون فيه أفراحهم، وأحزانهم، وذكرياتهم، كانوا سعداء جداً فيه، ولكن سرعان ما انقلبت الأمور رأساً على عقب لتأتي قوات الاحتلال الإسرائيلي، وتبدد كل هذه الأحلام والذكريات العصية على النسيان.
في تلك الليلة العصيبة اقتحمت قوة اسرائيلية مدججة بالسلاح تقدر بألف جندي الحي الذي تسكنه عائلة كرم، لتدخل الرعب في قلوب السكان، وتتركهم في العراء يذوقون برد الشتاء.
في بداية الأمر أبرز الجنود قراراً بهدم المنزل، وأجبروا كل 25 عائلة تحت تهديد السلاح على التجمع في مكان واحد، وقالوا جملة واحدة كان وقعها كالسيف على الجميع "لديكم فقط دقيقتين لإخلاء منازلكم"، دقيقتين فقط ماذا سنأخذ؟، وماذا سنترك؟.
وقفت أم كرم في حيرة من أمرها ماذا ستفعل؟ هل دقيقتين هي بالوقت الكافي لأخذ أهم ما في المنزل؟؛ بالطبع لم تكن تكفي أبداً، تركت العائلات كل شيء في مكانه، وخرجوا بملابسهم التي كانت عليهم، لم يستطيعوا إلا حمل ذكرياتهم بجميلها وقبيحها، وما هي إلا دقائق معدودة حتى استيقظت مدينة نابلس على صوت انفجار هز أركانها؛ انفجار أحال منزل كرم لركام، وأحلام العائلة كلها إلى هباء.
ثماني عائلات تشردت بلا مأوى، فمنزل كرم وعائلته، ومنزل جده، وعمه، والسكان المجاورين له كلها تدمرت.
لو أنك زرت منزل عائلة المصري قبل هدمه سترى فيه مكاناً جميلاً للسكن بالأشجار الخضراء التي تحيط فيه، وضحكات أهل البيت التي تصدح في أرجائه، ولكنك عند رؤيتك له بعد هدمه ستصدم من هول ما ستراه فالمنزل تحول لركام لا حياة فيه، سترى في عيون ساكنيه آهات ودموع مكبوتة، وعيون معلقة فيه تتخيله قبل وبعد الهدم.
ذكريات 22 سنة
أم كرم المصري الذي تتهمه قوات الاحتلال الإسرائيلي بأنه أحد منفذي عملية بيت فوريك التي أدت إلى مقتل ضابط إسرائيلي وزوجته، المرأة التي عاشت في المنزل لاثنتين عشرين سنة بحلوها ومرها، تقول بوجه تكسوه علامات الغضب:" شعرت بالحزن الشديد، وحزنت كثير على ذكرياتنا، وعمرنا الذي ذهب هباءً بلمح البصر، لم أكن اتخيل بأن يكون ضرر التفجير بهذه الضخامة".
وتضيف:" بنينا هذا المنزل من دم القلب، ضحينا لأجله بالغالي والنفيس، ولكن كل تعبنا ذهب بلمح البصر".
عائلات بلا بيوت
الليلة الأولى بعد الهدم كانت شديدة الألم على عائلة المصري وتصف أم كرم:" الليلة نمت عند أهلي، وحال المنطقة محزن جداً، فتبدو كالمهجورة لا حياة فيها، فالثماني عائلات التي تضررت كلهم أخلوا بيوتهم، وذهبوا للسكن عن أقاربهم لحين إيجاد حل لمشكلتنا".
وعن إمكانية العودة للحياة الطبيعية تشير أم كرم إلى أنهم سيعودن قريباً لأعمالهم، وسيعود الأطفال، والشباب لمدارسهم وجامعاتهم، فالحياة بالتأكيد لن تتوقف وستستمر.
عائلة المصري غير قادرة في الوقت الحالي على تعمير ما دمرته قوات الاحتلال، فشركتهم التي يعملون فيها تعاني من أزمة، ولا تعود عليهم إلا بالقليل من المال، وهم بحاجة ماسة لمساعدة من المجتمع في إعادة بناء المنزل.
وتبين أم كرم بوجه تكسوه علامات الألم الممزوج بالفرح:" لكنني سعيدة الآن، ومعنوياتي عالية جداً، فوجه كرم المبتسم في زيارته يوم الأربعاء أعطاني دفعة كبيرة فمعنوياته عالية جداً، ويهون علينا ما نحن فيه الآن؛ فما يهمني هو كرم فقط فكل شيء يعوض إلا الأولاد".
وعن شخصية كرم توضح أمه:" كان حنوناً كثيراً على كل أفراد العائلة، ومحبوباً من كل من يعرفه، وهادىء جداً، لم نكن نتوقع أن يفعل ما فعل".
وفي السياق ذاته، عن هدف الاحتلال من وراء التفجير يوضح خال كرم، أيمن المصري:" تهدف قوات الاحتلال إلى إظهار جديتها، وتنفيذها لتهديداتها في محاربة ما يطلقون عليه "الإرهاب الفلسطيني" أمام المجتمع، وإسرائيل في ظروفها الحالية تعتقد أنه من خلال تدميرها للحجر تستطيع القضاء على المقاومة والهبة الشعبية الحالية".
ويبين:" الاحتلال لا يستطيع أن يقتص إلا من الحجر، ويريدون بذلك ردع كل من يفكر بتنفيذ عمليات ضدهم".
ويضيف المصري:" نحن هنا باقون وعليهم هم أن يرحلوا، فنحن من صغيرنا لكبيرنا لا نريدهم، ونحن فخورين بما قام به كرم أمثاله الكثيرين".
وعن التوجه للمنظمات الدولية المعنية يشير المصري إلى أنهم لن يتوجهوا لأي منظمة؛ لأنها لن تستطيع أن تفعل أي شيء للفلسطينيين.
منزل المصري هو من بين 3 منازل فجرتها قوات الاحتلال الاسرائيلي في نفس الليلة بمدينة نابلس، 15 منزلاً محيطاً تضرر، فعائلتي الكوسا والحج محمد فقدت كلتاهما 4 شقق