وجع الجسد المسروق
الخليل- رايــة:
طه أبو حسين-
كلما مرّ يوم زادت لهفتهم لنظرة الوداع الأخيرة لفلذات أكبادهم، وتصاعدت نسبة تآكل ذاكرتهم وجعاً، وأخذ الموت منهم ما أخذ؛ ولا يزال. لا سيّما في ظل التقاعس الذي تحدثت عنه عوائل الشهداء المحتجزة جثامينهم عند الاحتلال، فلا اتصالات رسمية أو غير ذلك، ولا مؤشرات تبيّن إن كانوا سيستلمونها أم لا.
في خيمة الاعتصام التي أقيمت أمام مقر الصليب الأحمر الدولي في الخليل يجلس بسام سدر والد الشهيد باسل وعينيه كجمرتين ملتهبتين من قلّة النوم، يقول: "لا يوجد وعود صادقة من أي جهة، فمنذ استشهاده لا نعمل ولا نعرف النوم ولسنا قادرين على العيش بشكل طبيعي".

ويضيف: "ابني باسل أستشهد منذ حوالي 50 يوما، وحتى اليوم لم يتحدث معي أي أحد من الجهات المختصة، ولا أين وصلوا ولا عن أي احتمال بالإفراج، لهذا نزلت وشاركت بنصب الخيمة بنفسي لأنني لم أجد أحدا يسعى بالإفراج عن جثمان نجلي".
رغم البرد والشتاء، استبدل بسام سدر بيته بالخيمة لأنه لم يعد يحتمل الأسئلة التي توجّه إليه من زوجته ووالدته وجميع أفراد العائلة والتي لا اجابة لديه عنها، مبيناً: "كل ما أعود لبيتي أجد (مناحة) من أمه وجدته، فهو يريدون باسل".
أطرق بسام رأسه للحظة ثم رفعه والدمعة تغزل في عينيه "أمه وجدته واخوته غير مستوعبين الاحتجاز، يريدون نظرة وداع، ليطمئنوا عليه، فإكرام الميت دفنه، ونحن لما ندفن العزيز على قلبنا، نرتاح، فمنذ استشهاده لم نشعر بالراحة، وحياتنا مشوشة".
أمام الخيمة وضع تابوتا خشبياً كما لو أنه يحمل جثمان شهيد لفّ بالعلم الفلسطيني والكوفية، وعليه كان يتكأ والد الشهيد فادي حسن الفروخ الذي كان شارد الذهن حينما أقبلنا عليه بسؤالنا عن يومهم ومتابعة ملف نجله الشهيد، فقال: "لا ننام لا ليل ولا نهار، فكل لحظة نقول سيفرج عنه، لكن وصلنا الى مكان مسدود ولا أمل بالإفراج عنه، ولهذا نحن قررنا ان ننزل بأنفسنا".
حسن الفروخ والد الشهيد فادي يقول أن مركز القدس هو الوحيد الذي تواصل معهم وأخذ توكيلاً من العائلة لمتابعة الملف، في حين لم تتواصل أي جهة حكومية أو غيرها معهم، معبراً عن استيائه: "أنا غير راض عن التحرك، فلا تعاون معنا، نحن نريد تحرك على مستوى فلسطين والخليل على وجه الخصوص بالتحرك للضغط على الاحتلال والافراج عن الجثامين، فنحن أهالي الشهداء فقط من نتحرك، ننظم الوقفات والاحتجاجات وحدنا، وأخيراً أوجدنا خيمة لتكون بيتنا حتى الافراج عن الجثامين المحتجزة".

عائلة الشهيد مالك الشريف المحتجز جثمانه منذ حوالي شهر بادرت بنصب الخيمة بالتعاون مع عدد من عوائل الشهداء، ولما التقينا شقيقه طارق اكتفى بالقول: "نحن بمجرد النظر للدجاجة في الثلاجة، نتخيّل أولادنا ونتذكر كيف هم متواجدين بالثلاجات عند الاحتلال، وهذا الأمر جعلنا نتحرك حتى الافراج عن جثامينهم".
وذكر مدير نادي الأسير الفلسطيني في الخليل أمجد النجار أنه لا توجد متابعة حقيقة لملف جثامين الشهداء المحتجزة، موضحا: "الموضوع بدأ ينام، وهذا يقلقني بشكل كبير أن تتكرر بنا المأساة مع جثامين الشهداء السابقين الذي ما زالوا محتجزين منذ عشرات السنوات، ونحن نريد ضغط على الجهات المختصة لأن السكوت عنه ستكون نتائجه كارثية، فحتى اللحظة لم يأخذ الموضوع مكانه الحقيقي في المتابعة من الجهات المسؤولة أو من الجهات الغير حكومية التي تتابع مثل هذه الملفات".


الجدير بالذكر وحسب نادي الأسير أن عدد شهداء الخليل منذ بداية شهر تشرين أول من العام الحالي وصل 35 شهيدا، المحتجزة 15 جثمانا، الى جانب احتجاز 365 جثماناً آخراً منذ عدة عقود من بينهم حوالي 65 شهيداً من الخليل.