شبانة وشبح الخوف في الخليل

2015-12-09 11:05:00

الخليل- رايــة:

طه ابو حسين-

أن تعيش الخوف بكل أركانه، وتبقى في قلق دائم في حضرة منزلك في منطقة تل رميدة، وتمتثل للإرباك في جميع اللحظات كلما استنفر الجنود في النقطة العسكرية على مدخل الطريق المؤدي للمنطقة، وتتوقع اقتحام منزلك في كلّ لحظة والعبث وتخريب في محتوياته، وأن تتعرض للاعتقال أو أحد أفراد أسرتك، وتضيف عليها التعرض للضرب والاهانة والتفتيش اليومي، الى جانب رؤية الموت في كل دقيقة، فهذا يعني أنك من سكان الخليل العتيقة وتحديداً تل رميدة كما يجسد الواقع أهلها.

يومياً يخرج خضر شبانة "47 عاما" من منزله في تل رميدة الى وسط المدينة ليجمع قوت أطفاله، والمدة الافتراضية ما بين منزله ووسط المدينة لا تتجاوز عشرة دقائق مشياً على الأقدام، إلا أنها ولوجود الحواجز العسكرية تأخذ وقتاً مضاعفاً لمرة أو مرتين في أحسن الأحوال، أما اذا كان هناك أي تحرك يثير ريبة الاحتلال فتغلق المداخل أمام شبانة وسكان المنطقة حتى ترفع ستارة الخوف عن الاحتلال.

بحرقة وألم يروي خضر شبانة تفاصيل حياته اليومية على الحواجز المقامة في تل ارميدة وشارع الشهداء، فيقول:"صباحاً أخرج من منزلي، ويتوجب عليّ وأسرتي وجميع الجيران أن نبتعد عن الحاجز القريب من منزل أبو عيشة على أقل تقدير ثلاثة أمتار، ثم يأمرنا الجنود برفع ملابسنا وخلعها أحيانا وخلع الأحذية ورفع الأيدي والأقدام، وهذه المرحلة تستغرق حوالي ربع ساعة من قبل ستة جنود يتحكمون بحياتنا".

لم تنتهي القصة عند التفتيش ورفع الملابس وخلعها وفيها يستطرد شبانة :" بعد كل ذلك يطلبون بطاقتك الشخصية، وبالنهاية حسب مزاج الجندي الاسرائيلي، إما أن يسمح لك بالعبور أو يقول لك ارجع ولا حق لك بالاعتراض أو حتى السؤال، فتضطر اللف قرب مسجد الريان وهذا يستغرق مدة أطول اضافة الى مسافة وأجرة مواصلات وهذا مكلف جداً علينا".

ما سبق كان الجانب المرئي، والجانب المعنوي لا يعرفه إلا من يعيش حياة سكان تل رميدة، وشبانة يفضفض بقبس من عمقه:" نشعر بإذلال واهانة، فأنا لحظتها أفكر وأنا رب اسرة أتعرض لهذا الاذلال (ماذا لو قتلني الجندي، ستدمر عائلتي، وما مصيرها) فالخوف واقع في قلوبنا مع أننا مؤمنين بالله والقضاء والقدر لكن نتوقع بأن يطلق الجندي النار علينا في أي لحظة".

ساعات النهار بكل ما يحتويها من مضايقات وخطر تبقى لسكان تل رميدة أرحمُ من ساعات الليل، لهذا تجد معظم الساكنين قد غادروا لمنازلهم قبل غروب الشمس ولم يخرجوا منها إلا للضرورة، وشبانة اضطر قبل مدة قصيرة بالعودة لبيته في ساعات الليل وحصل معه ما يرويه :"قبل فترة عدت لبيتي عند مدخل الرحمة في ساعات المساء، تفاجأت بحوالي "8 جنود مقنعين"، ارتعبت منهم، فتشوني وعروني من ملابسي، نطقت بالشهادتين في نفسي لشدة الموقف".

شبانة رأى الموت بعينيه وهذه ليست الأولى ولا يظنها الأخيرة ويكمل تلك الساعة التي توقفت من شدة الخوف :" تم ايقافي ربع ساعة وكانت عن مئة سنة، لحظات رعب وخوف وأنا بين جنود مسلحين، وأنا كل ما طلبوه مني أن أتعرى، فقط بقيت ملابسي الداخلية، وبعدها لما شعرت بالموت سمحوا لي بالمرور وهم يراقبوني ويصوبون أسلحتهم اتجاهي".

منطقة تل رميدة يحاول الاحتلال تهويدها بكافة الطرق، وشبانة يقول :"كلما حدث شيء بالمنطقة، وكلما استشهد أحد أو عند أي ادعاء يقوموا باقتحام المنزل، وخلع الابواب والتخريب بمحتويات البيت، وأحيانا يكون هناك اعتداءات من المستوطنين طبعا بحماية جيش الاحتلال".

يلخص شبانة حياته التي تعكس حياة سكان تل رميدة :"أنا أصبحت أخاف جداً خاصة بعد المغرب والجميع كذلك، وجميعنا نعيش في رعب، ومن لم يجرب لن يعي ما نقول".