الأم الأسيرة وأطفالها الخمس
القدس المحتلة- رايــة:
فداء رويضي-
توقفت البوسطة "سيارة نقل الأسرى" فجأة، وبقيت شفا الشلودي "35 عاما" وحدها مقابل المجندة التي قالت لها: "اخلعي جميع ملابسك، سأفتشك تفتيشا عاريا"، قالت لها شفا باستغراب: "ماذا؟!"، صاحت المجندة: "افعلي ما قلت"، رضخت شفا للأمر وبعد التفتيش وقفت لتردي ملابسها واذ بالمجندة تغلق باب البوسطة بقوة، باتت الغرفة مظلمة ظلاما شديدا، بدأت شفا بالصراخ: "يا ربي، لا أرى شيئا"، تقول شفا: "في هذه اللحظة ظننت أنني قد أصبحت عمياء، ظننتها فعلت شيئا في عيوني كي لا أرى، كانت هذه اللحظة من أصعب ما مررت به في حياتي".
بتاريخ 21/10/2015 استيقظت شفا الساعة الثالثة والنصف فجرا، بعد أن سمعت أصوت المواجهات في الخارج، نزلت الى أسفل، فوجدت الحجارة أمام البيت، وبدأت بإعطائها لابنها فادي ليزيلها عن الطريق، قبل أن يأتي الجيش ويتهمهم برشق الحجارة، لأنها بالقرب من بيتهم، تقول شفا: "لم تمر عشر دقائق حتى اقتحمت قوات الاحتلال المنزل، فتشوا المنزل بدقة، ثم أخذوا ابني فادي (15 عاما)، ثم قالوا لي: "وأنتي أيضا"، فقال لهم زوجي: "أنا سأتي"، كنت أظن انني سأذهب معهم لأن ابني صغير ويحتاج أن اكون معه، لم يلتفتوا لزوجي واقتادوني مع فادي الى الجيب العسكري".

توقف الجيب العسكري في وادي الربابة بسلوان، أنزلوا شفا وابنها فادي، ليجدوا أطفالا آخرين كانت قوات الاحتلال قد اعتقلتهم بالليلة ذاتها، تقول شفا: "الحركة كانت ممنوعة، والنظرة كذلك، فان نظر أحدنا الى الأخرين يقوم الجندي بإضاءة الكشاف على وجهه بقوة".
في مركز تحقيق يدعى "شرطة عوز" بدأ التحقيق مع شفا، سألها المحقق: "لماذا تعطي أولادك الحجارة ليلقوها على الجيش؟" ردت شفا: "أنا؟!"، علا صوته: "لا تكذبي، ليس لدي وقت، اعترفي لأذهب، ويوجد فيديو لدينا يوثق كلامي".
خرجت شفا من التحقيق ولم تجد زوجها ولا أطفالها، جلست في الخارج محاطة بحوالي أربعين جندي يوجهون لها الكلام البذيء من كل صوب، أعادوها الى التحقيق الذي استمر حتى صباح اليوم التالي، قال لها المحقق: "اخلعي حجابك اريد أن أصورك"، لم ترضخ له، وبعد جدال نفذت ما قال، تقول شفا: "أسلوب المحقق وكلامه جعلني أتوسل اليه ليخرجني من غرفة التحقيق، حتى ضحكته كانت تخيفني"، أحضر لها صورها هي واولادها كل على حدا، وقال لها: "من هذه؟"،قالت: "انا"، فقال: "اكتبي انا ووقعي"، وكذلك الأمر بالنسبة لابنها فادي، بعد ذلك بدأ بعرض صور لها وهي تعطي فادي الحجارة، وهو يقوم بجمعهم، فقال لها بالنهاية: "يعطيك العافية، انتهينا، وانتي اعترفتي على ابنك".

في قاعة المحكمة الفارغة، وقبل أن يأتي الجميع، التقت شفا بابنها، تقول: "كنت مقيدة ويحرسني الجنود، وكذلك الأمر بالنسبة لفادي، جلست مقابله، عندما رآني دمعت عيناه، لم استطع إحتمال ذلك وبدأت بالبكاء.
في هذه المحكمة، حكم القاضي على فادي بالافراج بشرط الحبس المنزلي ودفع كفالة نقدية، الا أن شفا تمدد توقيفها، "بقيت في الأسر 39 يوما، وحضرت 10 محاكمات، وأنا بعيدة عن أولادي الخمسة، لا أحد يرعاهم، فزوجي تزوج امرأة أخرى قبل أربع سنوات"، تقول.

شفا لا تملك هوية مقدسية، قدمت على "لم شمل" عندما تزوجت، لكنه سحب منها بعد أن تزوج زوجها، فقدمته مرة أخرى عن طريق أطفالها، وكان من المفترض أن تكون جلسة المحاكمة هذه لتحصل عليه، لكنه سحب منها للأبد.
في سجن هاشارون قضت شفا أيامها، جاء موعد الزيارة، حضر ابنها باسل (13 عاما) وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة، قدراته العقلية باتت محدودة بعد أن تعرض لحادث سير قبل سنوات، وسيدرا (7 سنوات)، تقول شفا: "لم تسقط سيدرا ولا دمعة، الا أنني بكيت كثيرا عندما رأيتهم، سيدرا لم تنظر الي أبدا، طوال الوقت كانت تغطيي عيونها بيديها، اكلمها وترد علي وهي هكذا، فهي ترفض أن تراني كما كنت في الأسر".
سيدرا اليوم ترفض أن تتذكر الماضي، عندما يتحدث أحد بالموضوع تدخل الى غرفتها وتمكث لساعات، تراجعت كثيرا في دروسها، طوال الوقت تصلي، وتدعي أن لا تذهب أمها مرة أخرى، أما باسل لا ينام اليوم الا عندما تنام أمه أمامه، وفادي ما زال في الحبس المنزلي، يشعر بالذنب كثيرا، فالمحقق جعله مقتنع أن ما حصل هو سببه، لدرجة أنه قال له: "والله لأهبلك"، يقضي معظم وقته في الغرفة ولا يخرج منها، أما أكبرهم سامر (17 عاما)، فاعتقل بعد أيام من اعتقال أمه وهو اليوم داخل سجون الاحتلال.
قبل ثلاثة أسابيع خرجت شفا الى الحبس المنزلي، ولم يحكم عليها بعد، فالمحاكمات مستمرة حتى اليوم.