تَسْدِيدَة.. -حسين حلمي حمدان
عندما كنتُ في الصفوفِ الأولى من مرحلة الابتدائية، كنت استعجل يوم الخميس من كلِّ أسبوع لاستمع فيه إلى حكاية جديدة من المعلم الوحيد الذي كان يعرف الحساب والدين والعربي والرسم والرياضة والخط، بعكس أبي الذي لم يكن يعرف منها شيء سوى الدين، وبالكاد يستطيع عد الدجاجات، ولا يعرف من العربي سوى أنه شقيقه، ولم يكن يعرف بأن للفحم فوائد غير التدفئة، وكان نحيف الجسم لا مصلحة له في الرياضة ولا يعرف من الخطوط إلا الاستقامة. حدثنا معلم كل شيء في نهاية أحد الأسابيع عن حكاية حذاء أبي القاسم، ضحكنا ولم تسكت الضحكات، عدتُ إلى البيت وأنا أحفظها كاملة دون مساعدة من أحد، أعدتها على مسامع أمي، اكتشفت بأنها تعرفها، وعلى أبي، وعلى أختي فحفظتها، صرت أرى أبا القاسم في كلِّ حذاء، وعلى جوانب الطرقات وداخل الأكياس التي على ظهر حمار كان يركبه شخص حسبته بأنه هو، يشتري التالف منها بحلوى، بقيت الحكاية واحدة من الحكايات المثيرة والمشوقة حتى في مرحلة بلوغي، وعندما كبرت صرت أبحث عن غرض الأحذية في غير الانتعال، حتى جاء من العراق رجل جعل لحذائه قيمة أرفع من بريهات قادة وقوات، وفيه من الأهمية ما أصاب رأس حربة، ومن الجمال ما هو أجمل من وجوهِ كثيرين وأنصع من فخذي سيدة بأوسع قصر وأعلى كعب، و أغلى من باتا ونيوبالاس، وصار حذائه على لسان كلِّ مسؤول.
7:00AM