نوّار فقدت نصف روحها كلزار
الخليل- رايـة:
طه أبو حسين-
في عيد الحبّ كما يسمّى، كانت نوّار ترقد مع أمها وشقيقها بجانب توأمها الشهيدة كلزار محمد عبد الحليم العويوي داخل مسجد الحسين بن علي في منطقة عين سارة بالخليل. تتأملها، تفرك يديها وجعا، الدمع يغسل وجنتيها، وبعضه يسقط كالندى فوق شقائق النعمان الحمراء التي نثرت على جثمان الشهيدة تعبيراً عن الحبّ والتضحية.
نوّار، فقدت نصف روحها برحيل كلزار، وفقدت كثير الحياة وتفاصيلها التي لم تكن تتم إلا بمشاركة توأمها، وما عادت تكون بعد اليوم، فهي الأخت والصديقة والناصحة الأمينة . قالت نوّار: "هي حبيبتي وكلّ شيء لي، وكانت دائما توصيني وتنصحني وتأمرني بالمعروف وتنهاني عن المنكر، واليوم أفتقد الناصحة الامينة التي تحب مصلحتي".

حديقة الورود، وبرواية أخرى "الورد" معنى اسم كلزار، والشهيدة حملت من صفات اسمها الكثير، من أخلاق طيبة وكريمة، وتضيف نوّار: "كانت متدينة، لطيفة بالتعامل، كانت توصيني باللباس المتستر، لم تكن تستمع للأغاني، تحب الأناشيد، هوايتها الرسم، وكتابة الأشعار".
كلزار العويوي "17 عاما"، طالبة الثانوية العامة، في مدرسة وداد ناصر الدين للبنات، مجتهدة ومحبوبة بين زميلاتها ومدرساتها، استشهدت يوم السبت، برصاص جيش الاحتلال، بعد ان زعم تنفيذها عملية طعن لأحد الجنود الاسرائيليين قرب الحرم الابراهيمي الشريف في الخليل.
اليوم الأخير للشهيدة كلزار في مدرسة وداد ناصر الدين، يوم استشهادها، وصلت بظروف وتفاصيل مختلفة عما كانت عليه سابقاً، كما تروي زميلتها وصديقتها آية شاور: "كلزار أول مرة تأتي يوم السبت مبسوطة بشكل كبير، عادة تأتي نعسانة وعيناها مغمضتين، وهذا أول يوم جاءت مبكراً، وعادتها نقل الدروس عني، لكنها هذه المرة كتبت ما دوّن على اللوح".
تنفست آية الصعداء ثم استأنفت: "صلينا صلاة الظهر معا، وقالت لي أنا خائفة أن تضيع صلاة الظهر، وأنا استغربت من أن قولها لأن الوقت كان مبكراً، وبررت أنها تريد الذهاب لمشوار حتى تشتري حذاء، أوصلتها لنصف الطريق وعدت للبيت، ويومها بقيت تضحك في وجهي، وابتسامتها حتى اللحظة لا تغيب عني".
"كلزار لم تكن كأي فتاة، فقد كانت هادئة، خلوقة، مؤدبة، لها صفات مميزة ، لا تهتم بلباسها، فقط ما يهمها أن يرضى الله عنها ووالديها، ويهمها ان تساعد اخوتها والجميع، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فقد كانت كثيرة النصيحة لنا" قالت شاور.

آية شاور الصديقة الأقرب لكلزار، فبعدما وجدت العائلة صعوبة بالحديث كانت هي الملاذ، فقالت: "معدلات كلزار ممتازة، وأنا وهي تعاهدنا أن نحصل على علامة بالتسعينات، وحصدنا في امتحانات المدرسة على علامات ممتازة لأننا عزمنا أمرنا".
تقول آية أن كلزار آية المحبة وحب الخير ومد يد العون والمساعدة للجميع، فكل علاقاتها جميلة، وهي اجتماعية وجدّية في نفس الوقت، تمزح حينما يكون هناك مساحة للمزاح، وتراها حازمة عند الجد.
أم أحمد، عمة الشهيدة، تقول أن كلزار جمعت الصفات والاخلاق الحميدة: "تسعى لنصيحة كل من يقدم على تصرف خاطئ، وهي هادئة جدا وبشكل مميز، وهي خلوقة لأبعد الحدود، ومعاملتها في البيت، دائما تحب خدمة اخوتها وكل محيطها".
منذ طفولتها عرفت بهدوءها وشغفها بالرسم، لا سيّما الكاريكاتير والرسوم التي لها مضامين وطنية تجسد علاقة الفلسطيني بأرضه، الى جانب ثقافتها وحبها لكتابة بعض الأشعار.
شهد إمام صديقتها الأخرى، تشهد أن كلزار كانت من أكثر الفتيات خلقاً وأدباً، كما أنها مثال للطالبة المجتهدة، وشهد تشهد الساعة الأخيرة قبيل استشهاد زميلتها "يوم استشهادها كنت معها صباحا، وكانت طبيعية، كنا نمزح وضحكنا كثيراً، تحدثنا عن التوجيهي وكيف سنحصل على شهادتنا، وبعد ساعة أو أكثر بقليل تفاجأت بخبر استشهادها".
كلزار رحلت، وتركت نصف روحها مع توأمها نوّار، والأخيرة فقدت هي الأخرى نصف روحها بشهادة الأولى، ثم إن كلزار، تركت مقعدها الدراسي خاوياً إلا من الذكريات التي تطارد زميلاتها بالذكريات وتفاصيل الحياة التي صبحت موتاً، ناهيك عن وجع أعظم لم يستطع البوح ولو عن فتات فتاته، والذي يتمركز في وجدان أمها وأبيها.