في يوم الأسير.. إلى متى ستبقى قضية الأسرى ذات طابع تفاوضيّ ؟
نابس- رايــة:
فراس أبو عيشة-
قال رئيس الوزراء الفلسطينيّ الدكتور رامي الحمد الله في بيانٍ صحفيٍّ، صباح اليوم الأحد، بمناسبة يوم الأسير الفلسطينيّ الذي يُصادف السابع عشر من نيسان كل عام، "إنَّنا سنطرق كل الأبواب، وسنعمل على كل المسارات لإعطاء قضية الأسرى الدعم الحقوقيّ والدوليّ الذي تستحقه، وسنصل بمعاناة شعبنا إلى أبعد مكان في الأرض، لإنهاء الاحتلال، وكسر قيوده، والإفراج عن الأسرى جميعهم، وتكريس سيادتنا على الأراضي المحتلة كافة منذ عام 1967، في كنف دولة فلسطين المستقلة، والقدس عاصمتها".
وكان قد أعلن نادي الأسير الفلسطينيّ، وهيئة شؤون الأسرى، واللجان الوطنيَّة لدعم الأسرى، والقوى الوطنيَّة المختلفة، خلال مؤتمرٍ صحفيّ عُقد في مدينة رام الله، الأسبوع الماضي، عن انطلاق فعاليات يوم الأسير الفلسطينيّ الذي يُصادف السابع عشر من نيسان كل عام، في مختلف المدن الفلسطينيَّة.
ومن الجدير بالذكر، أن المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ أقرَّ السابع عشر من نيسان عام 1974، يوماً وطنيَّاً للوفاء الأسرى وتضحياتهم، ويوماً لتكريمهم والوقوف بجانبهم وذويهم، ويوماً لأجل شهداء الحركة الوطنيَّة الأسيرة، ولا علاقة لهذا اليوم بأي حدثٍ تاريخيّ، أكان ذكرى أول عملية تبادل أسرى في تموز 1968، أو إطلاق أول سراح فلسطينيّ في كانون الثاني 1971، أو اعتقال أول أسيرة فلسطينيَّة في تشرين الأول 1967، كما ليس له علاقة باستشهاد أول شهداء الإضراب عن الطعام في تموز 1970، إنما وفاءً وتقديراً للأسرى وقضاياهم، ومكانتهم لدى شعبهم وقيادته.
أولويَّة للقيادة الفلسطينيَّة
في حديثٍ خاص، يؤكد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الدكتور نبيل شعث لـِ"رايـــة"، أنَّ قضية الأسرى كانت وما زالت لها الأولوية الكبرى على سلم أجندات القيادة الفلسطينيَّة، والبرهان على ذلك أنَّها باتت الجزء الأهم من الحراك الشعبيّ الفلسطينيّ خلال الثلاث سنوات الأخيرة، الذي تقوده الأسرة الفلسطينيَّة، وتدعمه القوى الوطنيَّة كافة، وعلى رأسها السلطة وحركة فتح.
مُضيفاً "قضية الأسرى تهز الوجدان والضمير الإنساني العالميّ، وإذ تجاهلناها فَستهز ثقة الشعب الفلسطينيّ بنا، والتزامنا بِبطولة مقاتليننا، الذين قضوا جزءاً كبيراً من حياتهم مُبعدين عن ذويهم، في ظُلمات سجون الاحتلال الإسرائيلي، وعلى رأسهم القياديّ المناضل مروان البرغوثيّ".
ويُوضح شعث، أنَّ هذه القضية لن تتراجع من أجندات قيادتنا الفلسطينيَّة، وستبقى موضوعةً على الطاولة، وهي ليست مُجرد قضيةٍ تفاوضيَّة، ولن تكون كذلك، ففي مفاوضات وزير الخارجيَّة الأمريكيَّة جون كيري مع إسرائيل، كان البند والنقطة الأساسيَّة التي وضعناها هي الإفراج عن جُل الاسرى الذين قضوا أكثر من 20 عاماً في الأسرى، لكن إسرائيل رفضت وتوقفت عن إفراجها للدفعة الرابعة، وبالتالي انقطعت المفاوضات، وممارسة الأسرى لمعركة الأمعاء الخاويَّة هي أكبر دليلٍ على أنَّها ليست تفاوضيَّة.
حيث أن الأمعاء الخاويَّة هي معركة الإضراب عن الطعام التي يخوضها ويقودها الأسرى في سجون الاحتلال، فخلال الإضرابات السابقة الأولى، سُجل استشهاد عدداً من الأسرى، بدءاً بالشهيد عبد القادر أبو الفحم عام 1970 كأول شهيد للحركة الأسيرة، خلال إضرابه في سجن عسقلان، مروراً بالشهيد راسم حلاوة وعلي الجعفري واللذان استشهدا بتاريخ عام 1980، خلال إضرابهما في سجن نفحة، والشهيد محمود فريتخ الذي استشهد على أثر إضراب سجن جنيد عام 1984، والشهيد حسين نمر عبيدات والذي استشهد عام 1992 في إضراب سجن عسقلان، وصولاً إلى مئات وآلاف الأسرى الذين خاضوا غمار الإضراب عن الطعام، كالأسير محمد القيق، وسامر العيساوي، وخضر عدنان، وآخرين.
تفاوضاتٌ وصراعاتٌ
بعد حصول فلسطين على وضع دولة "مراقب" غير عضو في الأمم المتحدة عام 2012، وانضمامها إلى المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة رسميَّاً، انعكس ذلك فعليَّاً على قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيليّ، إذ أصبحوا أسرى دولة فلسطين التي أخذت مكانتها كشخصٍ اعتباريّ من أشخاص القانون الدوليّ، ونقل الوضع القانونيّ لمنظمة التحرير من حركة تحرر وطنيّ إلى دولة فلسطين، أدى إلى اعتبار الأراضي المحتلة في الضفة الغربيَّة وقطاع غزة في إطار دولة فلسطين تحت الاحتلال، ما أكسب الأسرى الفلسطينيين الصفة الشرعيَّة القانونيَّة باعتبارهم أسرى حرب ومقاتلين شرعيين، وأسرى دولة مستقلة محتجزين كَرهائن، يتوجب إطلاق سراحهم فوراً.
ويُبين رئيس نادي الأسير الفلسطينيّ، قدورة فارس لـِ "رايـــة"، أن الشعب الفلسطيني بمؤسساته وأُطره كافة، يرون في قضية الأسرى مُكوناً أساسيَّا للقضية الفلسطينيَّة الأم، لكن على الرغم من الانسداد السياسيّ، والأوضاع المُعقدة التي نُواجهها في واقعنا، فقضيتهم هي إحدى القضايا التي يطرأ عليها تقدماً واضحاً مُستمراً، ونُحاول من خلال مساعينا إلى تدويلها.
وكانت قد دعت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني إلى تكثيف التحركات، وعلى كافة المستويات، من أجل تدويل قضية الأسرى، ونقلها للمحافل الدولية باعتبارهم أسرى حرب ضمن اتفاقية جنيف الرابعة، مؤكدةً أنَّ إطلاق سراحهم من سجون الاحتلال على سلم الأولويات.
ويرى أن قضية الأسرى بالمعنى السياسيّ الرسميّ، كان بِمقدورها أن تفتح جولة مفاوضاتٍ استناداً لموافقة إسرائيل، لإطلاق سراح أسرى ما قبل اتفاقية أوسلو 1993، وانتهت المفاوضات بعد عدم تنفيذ إسرائيل لإطلاق سراح الدفعة الرابعة، بالتالي هذا يؤشر ويؤكد أنَّها قضية باتت أساسية من القضايا التي تتحرك عليها جُل الأُطر الشعبيَّة والرسميَّة.
مُردفاً "هي قضية سياسيَّة ومسؤولية إطلاق سراحهم يجب أن تستند إلى الأدوات الكفاحيَّة التي تُعتمد رسميَّاً ووطنيَّاً لتحقيق أهداف الشعب الفلسطينيّ، ولذلك حين كانت الحركة الوطنيَّة في حالة ارتباك مع الاحتلال بالمعاني كافة، ولم يكن هنالك مفاوضات، سعت إلى إطلاق سراح الأسرى، وواجهت أكثر من عملية تبادل فعليَّة، وحين أخذ الصراع مع الاحتلال شكلاً آخراً من خلال المفاوضات، تحقق تقدم في ملف الأسرى، وأُطلق سراح الآلاف منهم".
ويشجُب فارس خلال حديثه لـِ"رايـــة" أن تكون قضية الأسرى تفاوضيَّة بحتة فقط، مُشدداً بِأهمية أن تكون على رأس جدول أعمال الحركة الوطنيَّة الفلسطينيَّة، ضمن صراعاتها مع إسرائيل، أو حتى إن لجأت لحال المفاوضات، مُختتماً حديثه "للأسف، الحركة الوطنيَّة في الوقت الراهن لا تخوض صراعاً مع الاحتلال، ولا تملك مفاوضاتً جديَّة، لكن بإمكانها أن تمزج وتُوازن بين كليهما (المفاوضات والصراعات)".
القيادة مُقصرة في حق الأسرى
نقلاً عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطينيّ، اعتقل الجيش الإسرائيلي نحو 750 ألف فلسطيني خلال الفترة من العام 1967، حتى أواخر عام 2015، حيثُ يشكلون نحو 16 في المئة من إجمالي عدد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، البالغ حوالي 5 مليون نسمة، وتبعاً لأهمية قضية الأسرى، فإن الضرورة تحتم تسريع القيام بعمل ديبلوماسيّ وسياسيّ وقانونيّ مبرمج كما أفاد محللون، بغية تدويلها والاستفادة ما أمكن من القوانين والقرارات الدولية ذات الصلة.
من جانبٍ آخر، يُشير المحلل السياسي الفلسطينيّ، سامر عنبتاوي لـِ "رايــة"، أنَّه كان يجب على القيادة الفلسطينيَّة ألا تُبرم أي اتفاقيات مع الاحتلال، وأهمها اتفاقية أوسلو، وهُنالك مُعتقل فلسطينيّ واحد داخل سجون وقضبان المحتل، ومع ذلك وُقع الاتفاق، ومنذ ذلك الحين حتى الآن وغداً، فالاحتلال مُستمر في الاعتقالات التي شملت كل أطياف المجتمع الفلسطيني، ومُستمرٌ في الاعتقال الإداري دون وُجود أيَّة مُبررات.
مُضيفاً "رغم ذلك، فالاهتمام الرسميّ بقضية الأسرى لا يرقى إلى المستوى المطلوب من القيادة الفلسطينيَّة، فلا نُنكر وجود جُهود تُبذل من حاملي ملف الأسرى، لكن دون استراتيجيَّة واضحة تكشف عنجهيَّة وظلم الاحتلال، وتجاوزه للقوانين الدولية، خاصة في اعتقال الاطفال، وظروف الاعتقال السيئة، ومحاولات الابتزاز المُمارسة ضد السجناء".
وحسب إحصائيَّةٍ أعدها مركز أحرار لدراسات الأسرى وحقوق الإنسان، أنَّ عدد الأسرى الذين يقبعون في زنازين الاحتلال هم 6500 أسيراً، منهم 600 أسيراً في حكمٍ واعتقالٍ إداريّ، و440 طفلاً، و65 أسيرةً، و26 أسيراً ما قبل أوسلو، و4 أسرى فوق سن الـ30 عاماً، و170 حالة مرضيَّة في السجون، و22 آخرين في المشافي الإسرائيليَّة، مُوزعون على 22 سجناً ومُعتقلاً إسرائيليَّاً داخل وخارج الخط الأخضر.
ويؤكد عنبتاويّ، يجب ألا تخضع قضية الأسرى للحالة التفاوضيَّة على الإطلاق، بل يجب أن تُمارس كل الضغوطات والنضالات لإطلاق سراحهم، وتحشيد الرأي العام الدوليّ، وكشف مُعاناة وظروف المُعتقلين، والواجب على القيادة الفلسطينيَّة أن تضع قضية الأسرى في مقدمة اهتماماتها، وتجنيد السفارات والهيئات الدبلوماسيَّة، للعمل على نشر المعلومات والانتهاكات الإسرائيليَّة ضد الأسرى، والذهاب إلى الهيئات العالميَّة لحقوق الإنسان، إضافةً إلى دعم فعاليات الأسرى شعبيَّاً، كونها قضية ضمير، ولها بُعد إنسانيّ كبير.
ويختتم عنبتاوي، "صحيحٌ أنَّ حجم الاهتمام من السلطة في الضفة غير مُناسب لحجم القضية، وقد يكون اهتمامها من خلال حركة فتح أكبر، كون جزءاً كبيراً من المعتقلين هم من أعضاء الحركة، وهناك أسرى محررين، ولهم ارتباط بقضية الأسرى، لكن في الوقت نفسه، حركة حماس في القطاع تنحصر اهتماماتها بعمليات التبادل، والعمل من خلال وسطاء، لإطلاق سراح أسرى ضمن هذه العمليات".