خفايا مدفع رمضان المقدسي
القدس المحتلة- رايــة:
فداء رويضي-
شوارع القدس وأزقتها فارغة، المقدسيون على مائدة الطعام، هدوء تام، لا صوت سوى دعاء في القلب، وفجأة يسمع صوت المدفع يصدح في سماء القدس ليصل الى كل أحيائها وحاراتها، بعد ثوان قليلة تعلو مآذن المسجد الأقصى المبارك بآذان المغرب، ثم يبدأ ضجيج الأواني والملاعق والصحون، تستمر الفوضى لساعات وساعات، وعند الفجر يسمع الصوت ذاته ليعيد الهدوء، يقف المسحراتي عن المناداة، وينادي المؤذن لصلاة الفجر، ولا صوت بعد ذلك سوى تمتمة لقارئ قرآن ولا حركة الا لمصلي قام لأداء صلاة الفجر.
المدفع هدية للسلطان "خوشقدم"
في زمن بعيد وتحديدا في العهد المملوكي، جاء للسلطان "خوشقدم" في القاهرة هدية، وهي عبارة عن مدفع، فأمر بتجربته، يقال أن حينها كان أول يوم في شهر رمضان، وللصدفة تزامنت التجربة مع غروب الشمس، وكانت المفاجأة أن جميع سكان البلدة قد سمعوا الصوت، وظنوا أن ذلك إيذانا لهم بالإفطار، توجه المشايخ الى منزل السلطان لشكره على هذه العادة الجديدة، فتفاجأ السلطان بهذا الأمر، وأمر بإطلاق المدفع عند غروب الشمس في كل يوم من أيام رمضان، واستمرت هذه العادة الى اليوم، حيث انتقلت الى كل الدول الإسلامية.
وصول المدفع إلى القدس
حين وصل المدفع الى القدس في العهد العثماني تولت عائلة صندوقة مهمة إطلاقه، وكان الحاج أمين صندوقه يتولى هذه المهمة، ثم انتقلت الى ابنه، حتى وصلت الى رجائي صندوقة وهو حفيد الحاج أمين، ومنذ 28 عاما يذهب رجائي الى المقبرة الإسلامية في شارع صلاح الدين مرتين عند (غروب الشمس وعند الفجر) ليقوم بإطلاق مدفع رمضان، يقول رجائي: "حين بلغت الرابعة عشر من عمري، كنت أساعد والدي في إطلاق المدفع، كنا عشرة أخوة وكنا نتناوب على إطلاقه، كل يوم يذهب اثنين منا ليؤدي هذه المهمة".

استمر الوضع على ما هو عليه حتى اعتقلت قوات الإحتلال رجائي وأحد إخوته، بحجة أن من باسمه التصريح هو فقط المخول للقيام بهذه المهمة، فكتب رجائي اسمه على التصريح، ومنذ ربع قرن وهو يقوم بذلك.
يذكر أن المدفع التركي القديم تم استبداله في العهد الأردني، ونقل القديم الى المتحف الإسلامي في المسجد الأقصى المبارك.
"لم أتناول الإفطار مع عائلتي أبدا"
قبل موعد الإفطار بساعة يتجه رجائي من بلدته شعفاط الى المقبرة الإسلامية حيث يوجد المدفع، يقول رجائي: "أقوم بضبط ساعتي على توقيت المسجد الأقصى المبارك، أطلق المدفع ثم أعود إلى المنزل، وحينها يكون الجميع قد أنهي تناول إفطاره، أجلس وحيدا وأتناول اللإفطار، منذ ٢٨ عاما لم أفطر مع عائلتي أبدا، وكذلك عند موعد السحور أذهب إلى المقبرة قبل ساعة، لأطلق المدفع في وقته".
وبالرغم من التطور التكنولوجي الا أن العديد من المقدسيين ينتظرون سماع مدفع رمضان حتى يأذن لهم بتناول الإفطار، فهو يعتبر من الطقوس الرمضانية الأساسية لديهم، وكذلك العديد من مساجد القدس لا تؤذن المغرب حتى سماع صوت المدفع.
مضايقات الاحتلال
حتى مدفع رمضان في القدس لم يسلم من الإحتلال وجنوده، فعمل كل ما يمكن لطمس هذه العادة الإسلامية القديمة، ففي الإنتفاضة الأولى منع مطلقي المدفع من استخدام مادة البارود، يقول رجائي: "في تلك الفترة توقف مدفع رام الله ونابلس وبيت لحم والخليل، توصلت بنهاية المطاف الى اتفاق معهم باستخدام القنابل الصوتية بدلا من البارود، بعدها عاد مدفع القدس للعمل، ما كان يهمني حينها استمرار عمل المدفع بغض النظر عن المادة المستخدمة".
توالت الحجج بعدها، فمرة قالوا أن المدفع خطر على الناس، فتم نقله الى منطقة أبعد عن الناس في ذات المقبرة، ومرة أخرى طلبوا سبعة تصاريح من رجائي ليطلق المدفع بدلا من تصريح واحد، ثم طلبوا منه أن يشارك في دورة لإطلاق المدفع فحضرها مع اثنين من أبناءه، ليحافظوا على هذا الإرث.
ومن الجدير ذكره أن المدفع كان يطلق في كل المناسبات الدينية سواء كانت ذكرى المولد النبوي أو الإسراء والمعراج أو رأس السنة الهجرية قبل أن يقتصر على رمضان بفعل المضايقات التي تمارسها سلطات الإحتلال.
بلدية الأحتلال هي الممول .. تسامح مزيف
ما لا يعلمه الكثيرون أن بلدية الإحتلال هي الممول لهذا الإرث الإسلامي، يقول رجائي: "المواد المستخدمة في إطلاق المدفع مكلفة جدا، ويتم إجبارنا على تواجد شرطي يحيط بالمقبرة عند إطلاق المدفع وهذا كله لا أستطيع تكفله لوحدي، توجهت الى مؤسسات فلسطينية وإلى دائرة الأوقاف لتتولى التمويل، لكن بلا فائدة، وهذا ما يدفع رئيس بلدية الإحتلال أن يحضر في بداية كل رمضان ويشاهد إطلاق المدفع ويصنع ضجة إعلامية حول تسامحه المزيف".