الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:43 AM
الظهر 11:51 AM
العصر 3:09 PM
المغرب 5:44 PM
العشاء 6:59 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

عَوْبَرُ الجبل


بقلم طارق عسراوي

إلى أحمد عبّوشي

كنّا في المرحلة الإعدادية، حين التقيته سراً في مكان تعارف عليه سكّان حيّنا القديم بإسم  المربّع، وكنا اعتدنا المكان في مرات سابقة، مع من تجايلنا الحجارة ، هاربين من ملاحظة الأهل، نمجّ سجائرنا المسروقة، وهناك؛ كتمت سعال احتراق التبغ في صدري، وأظنّه خجل مثلي من لسعة الجمرة الأولى، كي لا نبدو صغاراً، ولم نكن يومها وصلنا سن  البلوغ بعد، وكي نتشاوف أمام مرآة أعمارنا الغضة، كانت لفافة التبغ زينة أصابعنا الطريّة – كُنّا نظنّ - !

جلستُ على العتبة الاسمنتية المربعة أنتظر قدومه، فلم ألتقيه منذ فترة على غير عادتنا، قبل أن يختفي هذه المدة، ومن ثمّ إلى الأبد.

من جهة أشجار الحمضيّات طلّ متبسّماً، يخفي وجهه الشاحب بالشعار الكبير " لقد غدوتُ مطلوباً ".

صار أحمد هدفاً لصائدي فرح البلاد، وحوش أيامنا الحلوة وسارقيها، وأصبح له عرين يخلد الليل فيه، بعيداً عن فِراش البيت وونسة الأهل وشجرة التوت الكبيرة، كان متعجّلاً، يحمِلَه المسدسُ على أجنحة الإعتداد، فمن كان يحوزُ مسدساً في ذلكَ الزمن، كان يحسُّ كما لو أن جيشاً كامل العتاد تحصّن في صدره، ومضى سريعاً إلى ما لا أعرف.. ومنذها لم ألتقيه.

ذلك الفتى الوسيم، بعينيهِ المنحازتينِ لبحيرة زيت صافية الضوء، واندفاعه الفتّان، وبقلبِ فهدٍ صغير ينبِضُ حُبّ البلاد،  كان يقترب من الجنود المتمركزين على أسطح المراقبةِ، ويطّير من كفيّه شُهباً لامعة، تستعير من شرر عينيه لهيبها.
لم نستطع مجاراته في مطاردة الموت يوماً، كما لو أنّه فريسته! وكنت في الليالي اللاحقة أميّز صوته الرقيق عبر مكبّرات الليل وهو يتلو النداء باسم حرّاس الحلم النضر، يصدح في صمت ليل المدينة بمفردات النار والحلم، ولصوته صدى، كأنه نئيم الفهود السود يجرح ليل الغزاة الثقيل، فيطلقون أزيز رصاصهم لاصطياد الكلمات !

ما زال لهاثه الصغير يرتد في سمعي ونحن نصعد الجبل صوب الصخرة الكبيرة.. نعدُّ بفشلٍ وارتباك لخطتنا الصغيرة في بناء غرفة تأوي طفولتنا المتهوّرة، والتي لم نضع فيها طوبةً واحدة الا بخيال سنونوّة لا تحبُّ العلوّ، قبل أن نجري بعيداً عن مركبات الكره والرماد!

لقد كان أكثرنا جمالاً، وأكثرنا وضوحاً، وقد عرف الطريق قبلنا ..  
ولأنّه صَدَّق حُلمه واتبَعه، مضى واثقاً للجبال، تحسّسَ مسدسه ونجا مبكّراً من وجع الحياة!

لقد قالوا؛ رصاصة خصفت روحه المتمردة النقيّة، فانفجر الليل فينا مثل زجاجة حارقة!
وصارت صورته ملصقاً على جدار المقبرة، وصرنا نهتفُ بحنجرة كسّرها غيابه، اسمه المكتمل.
علّق سنوات عمره الخمسة عشر على أغصان الصنوبر قناديلاً تنيرُ عتمة المدينة الغافية، وبشمس مشكاتِه، أضيئت قلوبنا ..

Loading...