صحافة المواطن.. عالمٌ يهوى تزييف الحقائق وإثارة الشائعات
نابلس- رايــة:
فراس أبو عيشة الوزني-
في ظل الحراك الشعبي الذي تشهده الساحة الفلسطينية، وفي خضم أجواء الهبة الجماهيرية الحالية، أو ما يُسميها البعض بـِ"انتفاضة القدس"، فرضت على المواطن العادي المشاركة في الحياة السياسية، عبر عرض أفكاره وتحليلاته وآرائه تجاهها، فكان العالم الافتراضي بالنسبة له وسيلة مثالية للتعبير بلا قيود، ليصبح بذلك أشَبه بـِ"وكالة أنباء" تورد الأخبار تباعاً.
هي ظاهرة "صحافة المواطن"، التي لاقت ردود فعل متباينة من قبل المهتمين والإعلاميين، حول توظيفها كمصدر إخباري في وسائل الإعلام، أو التشكيك بها، في ظل انتشارها وسرعة تناقل الأخبار الصحيحة وغير الصحيحة منها وإليها.
تهويلٌ وإشاعاتٌ كارثيَّة
ويستهل الصحفي جهاد قاسم حديثه لحلقة يوم الأربعاء 7-10-2015 من برنامج "مع الناس" الذي يُبث عبر إذاعة "رايـــة" قوله "في العجلة الندامة، وفي التأني السلامة"، مُشيراً إلى أنَّه عند جلوسك وتصفحك لمواقع التواصل الاجتماعي، بما فيها "الفيس بوك"، تراه يمتلئ بالأخبار، فَـفُلان يقول "أُصيب مواطن إصابة متوسطة"، وآخر "أُصيب إصابة خطيرة"، وصفحة أخرى "استشهد"، وتبدأ الروايات والحكايات.
ويُتابع "تجد 88 ألف صحفي، و55 ألف مراسل، و66 ألف مندوب إعلامي، و90 ألف شاهد، و100 ألف شاهدوا الإصابة، وفي نفس الوقت، فهنالك 200 ألف خريج من الجامعات، وأصبحوا إعلاميين من اليوم الأول، واللحظة الأولى من تخرجهم، وليس شرطاً أن يكون خريجاً من الصحافة، إضافةً إلى نصف مليون آخرين ينتظرون بطاقات الصحافة".
وفوق كل ذلك، تجد شخصاً كتب "استشهد مواطن"، ويؤكد أنَّها من مصادر أمنية وطبية موثوقة، وتتناقل وسائل الإعلام هذا الخبر من الشخص الناشر لها، بمعنى أنهم ينتظرون الدفن، وموعد الجنازة، وبعدها بقليل، ترى نفس الشخص قد كتب "يا جماعة انتظروا شوي، لسا الخبر مش مؤكد"، والكارثة أنَّه مسح خبر الاستشهاد السابق.
مُختتماً حديثه "هناك قلوب أمهات وآباء وأشقاء تُحرق إن رأوا خبر استشهاد قريبٍ لهم، فلماذا نحرق قلوبهم؟ ولماذا لا نصبر؟، فَـكما أهل صاحب الصورة رأوه وانحرقوا عليه، ضع نفسك مكانهم، وكُن في الواقع، فكيف إن شاهدت خبر استشهاد شقيقك وهو لم يستشهد، فماذا سيحصل لك؟".
"إيَّاك أن تكون طابوراً خامساً"
"للأسف هنالك العديد من الأخبار المغلوطة، والسبب أن بعض وسائل الإعلام تتسابق على الخبر العاجل، والبعض الآخر منها تعتمد على مصدرها ومصادرها من مواقع التواصل الاجتماعي، وأسوأ شيء هو الإعلان عن أسماء شهداء، لِيتبين لاحقاً أنَّهم أحياء، وهو ما حدث قبل فترة، وكاد أن يقتل والدة شاب أُعلن عن استشهاده إسماً، وهي تعاني من مرض في القلب"، هذا ما تحدَّث به مدير التحرير في وكالة وطن للأنباء، الصحفي علي دراغمة.
ويُوضح أنَّهم في الوكالة يُشددون على المراسلين والمحررين لِيتأكدوا من الخبر من مصدرين على الأقل، والعمل في مثل هذه الظروف لا بُد أن يكون فيه بعض الأخطاء، ووسائل الإعلام تتحمل مسؤوليتها، وهي تفقد مصداقيتها حال تكررت الأخطاء لديها.
ولا بُد من توجيه رسالةً إلى صحافة المواطن ووسائل الإعلام حسب دراغمة، ويقول فيها "لا يوجد عليك رقيب سوى ثقافتك والانتماء، فَمن صفحتك يستطيع الناس معرفة مستواك وثقافتك، خيارك أنت هل تريد أن تكون طابوراً خامساً، وتبث معلومات قد تضر بالناس وشعبك في مثل هذه الظروف، فَكل مواطن من الممكن أن يكون صحفياً، وقادر على نقل الخبر، ولكن كيف يتم نقل الخبر، هُنا الفكرة".
ويختتم "تذكر أنك شاهد على حادث حصل أمامك، وتذكر أن الخبر يبدأ بالأهم ثم الأقل أهمية، وتذكر أن لا تُعمم، وأن لا تكون عجولاً، والصحافة الحزبية هي نوع مختلف، فَلا يُمكن أن نكون حزبيين في أرض المعركة".
88% يرون أنَّها حرية تعبير ورأي
وحسب دراسة أجراها المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية "مدى" تحت عنوان "المواطن الصحفي وحرية التعبير في فلسطين- غزة نموذجاً"، تبيَّن أن 88% من المبحوثين يرون أن صحافة المواطن ساهمت في تعزيز حرية الرأي والتعبير.
وأظهرت الدراسة أن السبب الأول الرئيس لاستخدام وسائل صحافة المواطن، هو "سهولة العمل عبر مواقع التواصل الاجتماعي وانتشارها الكبير"، حيث قال بذلك 74% من المبحوثين، في حين قال 42% أن السبب الأول عندهم، هو شعورهم بعدم استقلالية الإعلام في فلسطين، ومثلهم قالوا بأن السبب يعود لـِ"عدم وجود رقابة على وسائل التواصل الاجتماعي، وفتحها لحرية التعبير في شتى القضايا".
المواطن الصحفي ليس مُراسلاً
ويقول عضو الهيئة التدريسية في كلية الإعلام بجامعة النجاح الوطنية الأستاذ إبراهيم العكة "صحافة المواطن في المجتمعات باتت تتزايد، وخاصة في ظل تطور وتنوع وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبح من خلالها بإمكان أي مواطن أن يتواجد في ساحة الميدان، ويُوثق الأحداث بكاميرته، وينشرها على المواقع المختلفة".
مُشيراً إلى أنَّه يجب التمييز بين هذه الفئات العاملة في السلك الصحفي، حيث المواطن الصحفي هو ذلك المواطن الذي يعي ويعرف حقوقه وواجباته ومسؤولياته في المجتمع، وبذلك يعمل على جمع الأخبار ونشرها على صفحته الخاصة على الفيس بوك، أو على تويتر، أو ما شابه، ورغم ذلك فهو يبقى ليس كالمراسل والصحفي المتخصص الذي يحمل بطاقة صحافة.
ويُبدي العُكة استياءه من صحافة المواطن، ويقف ضدها، كونها تحتاج أن يكون مصدر الأخبار والتصريحات جهة واحدة ممثلة بعينها، ولا نريد تخبط في مصداقية معلومات الأخبار بأشكالها كافة، فالواقع الذي نعيشه يُمثل حالة التخبط الإعلامي في الروايات المختلفة للخبر الواحد، والمادة الصحفية الواحدة، مؤكداً على أن قوة الإعلام في أيَّة دولة يتمثل في توحيد مصدر نشر الأخبار.
ميثاق شرف وقانون رادع
وحل هذه الظاهرة كما يرى العُكة، يكمن في إصدار قانون رادع، وتروي وسائل الإعلام بِنشر الأخبار، والتأكد من مصداقية معلومات الخبر، وتوسيع نطاق تغطيتها للأحداث في المدن والقرى، وزيادة عدد المراسلين الميدانيين، وخاصة في المناطق التي تفتقر وجود إعلامي، وتكتفي بالمواطن كَمُراسل، كونه أرخص ثمناً لهم.
وناشد مركز "مدى" إلى ضرورة إنجاز ميثاق شرف متفق عليه يسترشد ويستعين به المواطن الصحفي الناشط في فلسطين، بحيث يشتمل مجموعة من مبادئ ومعايير أخلاقيات المهنة وحقوق النشر والخصوصية، والتوعية بمبادئ وأخلاقيات حرية التعبير للمواطن الصحفي، وفقاً للمعايير والمبادئ الدولية، وتشكيل تجمع للمواطنين الصحافيين والناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي، يعمل كَجهة داعمة لنشاطهم، والعمل على تأهيل أبرز الناشطين من المواطنين الصحفيين، وتعزيز خبراتهم ومهاراتهم ومعارفهم.

