اللقاء الأخير لأم زكريا: أريد العودة لطفلي يحيى
رام الله- رايــة:
فارس كعابنة-
اعددت لكِ قهوة انتظري قليلا لنتناولها سويا.
لا، اعذريني، اريد العودة الى البيت بسرعة، ابني يحيى مع بناتي لوحدهم في المنزل.
كان ذلك اللقاء الاخير للشهيدة مهدية حماد أم زكريا مع شقيقتها سميرة حماد في منزل الاخيرة، بعد زيارة استغرقت ربع ساعة احضرت فيها الشهيدة كمية من الحطب لتدفئة أبناء شقيقتها المتوفي زوجها.
وأيضا كان ذلك اللقاء الاخير لأم زكريا في حياتها، فبعده استقلت السيارة التي قدمت بها، وانطلقت عائدة الى بيتها، لا تعلم ان في طريقها مواجهات بين شبان البلدة جنود الاحتلال، اقتربت من نقطة المواجهة، قبل ان يخبرها الشبان بان عليها سلك الطريق بحذر لان امامها جنود.
قبل وصولها الانعطاف نحو الشارع الر ئيس تجاه منزلها بـ20 مترا اطلق الجنود الرصاص عليها، ما ادى الى استشهادها. وزارة الصحة قالت ان 10 رصاصات اخترقت جسدها.
أمس كانت ام زكريا في زيارة لشقيقتها سميرة، واليوم تجلس سميرة امام منزل شقيقتها الشهيدة، تبكي وتقول: "لم تنتظر القهوة، كانت تريد العودة الى ابنها يحيى الذي لم يكمل عاما من العمر".
تحاول إحدى القريبات تهدئة سميرة وإيقاف بكائها "مهدية في جنة النعيم"، ترد سميرة والدموع تذرف من عينيها بصمت: "جلسنا سويا على شرفة منزلي وتحدثنا"، تكرر: "لم تنتظر قهوتي، حاولت دفعها للبقاء لكنها كانت خائفة على يحيى".
خلف سميرة على السور الخارجي للمنزل علقت صورة الشهيدة والشقيقة الاكبر "أم زكريا".
زكريا "19 عاما"، واحلام "14 عاما"، وملك "11 عاما"، ويحيى "11 شهرا"، فارقتهم أمهم للأبد.
لم تتوقف ملك عن البكاء خلال تشييع جثمان والدتها ظهر اليوم، في البلدة.
وبعينين محمرتين بدا البكاء طويلًا عليه، يقول الابن الاكبر زكريا: كنت في وسط البلدة وسمعت صوت رصاص، وحينها اتصل بي والدي وسألني، هل وصلت أمي للبيت، اجبته لا، وواصلت طريقي الى مكان اطلاق الرصاص".
قبل وصول زكريا للمكان، اخبره الشبان ان الجنود اطلقوا الرصاص على أمه، حاول الذهاب اليها، لكنهم منعوه خوفا من اطلاق الجنود النار عليه.
يقول: "أمي دائما كانت تقول لي لا تذهب للمواجهات، تخاف علي كثيرا، وتتصل بي عند التأخر عن العودة للبيت".
"لا يمكن ان تدهس احدا، سمعها خفيف وتلبس نظارات ايضا، لم تسمعهم عندما طلبوا منها الوقوف في مسافة بعيدة"، قال شقيق زوجها جبر حماد.
هتفت جماهير سلواد بصوت عال تمجيدا للشهيدة وشهداء البلدة، إلا ان حقيقة الوجع تبقى مطوية بين جدران منزلها وفي قلوب ابنائها الذين سيتذكرونها أينما جالت أعينهم في ذلك المنزل، أما الشقيقة التي لم تنقطع عن البكاء، فقلبها سيحترق مع اشعال كل عود حطب كانت الشهيدة قد احضرته لإبناء شقيقتها، لتدفئتهم من برد الشتاء.

