أن تكوني أما ومراسلة صحفية
القدس- رايــة:
فداء رويضي-
"أن تكوني أما ومراسلة صحفية إذا أنتِ مضحية وأنتِ مجاهدة" هذا ما قالته الصحفية المقدسية أسيل الجندي، التي تعمل مراسلة لموقع "الجزيرة نت" من القدس، فهي تجاهد في الميدان لتروي قصة ومن ناحية أخرى تضحي بالكثير لتحافظ على طفليها (ريماس "8 سنوات"، ونضال "6 سنوات")، فمهنة الصحافة أو كما تسميها أسيل " مهنة المتاعب" تحتاج الى جهد كبير ووقت أكبر، وتحمل الخوف والخطر الذي يحيط بالمراسل خاصة في مدينة القدس.
تقول أسيل:" ليس من السهل العمل في القدس، فالخطر يزداد يوما بعد أخر، وهذا يجعلني أعيش في حالة من القلق الدائم الذي يترجم بطبيعة الحال في تصرفاتي اليومية، أحاول أن أتحكم بانفعالاتي وأن أخفي مظاهر الخطر أمام أطفالي، لكني لا أنجح بهذه المهمة دائما".
عاطلة عن العمل لخمس سنوات
تخرجت أسيل من جامعة بيرزيت عام 2006 بتخصص إذاعة وتلفزة، وبقيت عاطلة عن العمل لمدة خمس سنوات، تقول أسيل:" كان علي حينها أن أبقى بالمنزل، فقد تزوجت وأنجبت أطفالي ما جعلني أختار أن أكون بجانبهم لأمارس دوري كأم بشكل متفاني".
بعد مرور هذه السنوات عملت أسيل معدة برامج في فضائية معا، ولاحقا أصبحت معدة لنشرات الأخبار، الى أن انضمت الى الجزيرة قبل عامين، تقول أسيل:" لطالما كرهت أن أكون مراسلة ميدانية، أشعر بالبرد كثيرا، ولا أحب الميدان في الشتاء، لم يكن حلمي كذلك، كنت أتمنى أن أكون معدة للبرامج أو ما شابه، لكن هذا ما جرى، وأني أرى أن أصعب ما تواجهه المراسلة هو التوفيق بين مسؤولياتها في البيت "حياتها الزوجية، وأطفالها" والعمل الميداني، وهذا ما يجعلني أعيش في حالة من التوتر لأكون منصفة بين الإثنين".
ابنتي وهوس قراءة الأخبار العاجلة
ما بين أسيل الصحفية التي تقتنص القصص من الميدان، وأسيل الأم التي تبعد أطفالها عن هذه القصص، هناك الكثير من الظروف والحكايا والمواقف التي ترويها لـ"رايـة" :" أقصى ظروف واجهتها كانت في شهري أكتوبر ونوفمبر العام الماضي، أي منذ اندلاع الهبة الشعبية الأخيرة، فالخطر كان يحيط بنا كمقدسيين جميعا، لم نكن نشعر بالأمان حين نسير في الشوارع، كنت أخاف على زوجي وأطفالي وجميع من أعرف، كنت أعمل حينها لساعات طويلة ومتواصلة، وأذهب الى الميدان أكثر من مرة يوميا، فالأحداث كانت متسارعة في ذلك الوقت".
وتضيف: "من أصعب اللحظات التي مرت علي كانت حينما طلبت ابنتي مني ترك العمل، لأنها تشعر بالخوف علي حين أكون في الميدان، فأصبح لديها هوس في قراءة الأخبار العاجلة، إلا أن قالت لي يوما: "لا أريد شيئا سوى الأمان، أبقي في المنزل ولا تذهبي الى أي مكان"، كان هذا الموقف من أقسى ما مر علي كأم، حتى أنني في هذه الفترة تحديدا وقبل الذهاب الى الميدان كنت أخرج الدجاج أو اللحم من الثلاجة لتحضير وجبة طعام، دون أن أعلم أنني سأعود الى المنزل بأمان وأباشر الطبخ لزوجي وأطفالي أم لا".
بين المهنية والأمومة
تقول أسيل: "أحيانا مشاعر الأمومة تغلب العمل بمهنية، فكلما كان التقرير الذي أعده عن طفل أو أسير أو شهيد أو أي موضوع أخر يلامس مشاعر الأمومة أشعر أنني عاجزة على كتم مشاعري تجاه الأهل، فأحيانا أنهار وأبكي أمام من أجري معه المقابلة، وأحيانا أخرى لا أحتمل أن أكملها أو تسير بمسار بعيد عما خطت له مسبقا، فإعداد تقرير يلامس عاطفة الأمومة صعب للغاية".
وتضيف: "قبل يومين أعدت تقريرا عن 7 أطفال حكموا لفترات متفاوتة بالسجن الفعلي، وكنت بمنزل أحد هؤلاء الأطفال، وأنا أشعر تماما بالأم التي قالت لي أنها ستسلم ابنها لسجن الرملة ليقضي حكما بالسجن هناك، وأشعر بوالد الشهيد الذي يبكي خلف ابنه الوحيد، لا يمكنني أن أخرج من هذه المنازل وأتحول الى إنسانة أخرى تلعب مع أطفالها وكأن شيئا لم يكن، فأنا أعيش القصة التي أعدها ليوم كامل أو ربما لأيام".
في يوم من أيام شهر أكتوبر العام الماضي، وتحديدا حين نصب الاحتلال المكعبات الإسمنتية على معظم مداخل أحياء القدس، إختارت أسيل البقاء بجانب أطفالها، " في ذلك اليوم شعرت أن عاطفة الأمومة غلبت على واجبي المهني بكثير، فقمت بإرسال رسالة إلكترونية الى مديري في قطر وأخبرته أنني لن أذهب اليوم الى الميدان أبدا، لأنني أشعر برغبة كبيرة في احتضان أطفالي والبقاء في المنزل في ذلك اليوم".
"كان نجاحي في المهنة مستحيل .."
حين تعد أسيل التقارير تجلس ابنتها ريماس بجانبها تقرأ، وتبدأ بطرح الأسئلة عليها، وتعتبر أسيل ذلك سببا في صقل شخصية ريماس التي بات لديها وبالرغم من سنها الصغير وعيا سياسا، وقدرة على خوض نقاشات عميقة، تقول أسيل:" كان نجاحي في هذه المهنة مستحيل لولا وجود زوجي المتعاون الذي يشعر بأهمية عملي ويساندني لتحقيق المزيد من النجاح، بالرغم من معارضته لهذا المجال في البداية، لكنه أمن كإيمان أبي وإيماني بأنه يجب أن يكون لي بصمة في العمل الإعلامي".
وعن ما تتمناه الأم الصحفية أسيل للأمهات وتحديدا الفلسطينيات أن تقف دموعهن على الإبن الأسير والشهيد، وأن تقف حالة الرعب التي تعيشها الأمهات عند خروج أولادهن من المنزل، فكما تقول أسيل "أصعب ما يمكن تصوره في الحياة أن تفقد الأم ابنها أو أن يصيبه مكروه".




