"نحن صنيعة تجاربنا الصغيرة وقصص الآخرين"
رام الله-رايــة:
خلال دراستنا الثانوية، كنا نمرّ كلّ صباح في الطريق للمدرسة ببيت مفتوح الأبواب على الدوام، وأكثر ما كان يشدنا كمراهقات، القهوة الصباحية مع السجائر لزوجين شابيّن، قيل أنهما تزوجا بعد قصة حبّ عنيفة جوبهت برفض عائلتيهما في البدايات، يقال أن العروس أحضرت معها شجرة زرعتها في حوض صغير أمام البيت، الشجرة كبيرة لتغطي نافذة الحمام، ها هو الحبّ يدوم إذن.
بعد سنوات مررّتُ بالبيت، الشجرة قطعت بالكامل والعروس تطلقت بعد أن أحرقت نفسها، تزوج الشاب من ابنة عمّه، باب البيت مغلقاً على الدوام، ونحن كبرنا بما فيه الكفاية لنصدق أن حكايات الحبّ قابلة لنهايات فاجعة.
المرأة التي أخبرتني بالحكاية كانت متعاطفة مع الجميع: الشاب والعروس والزوجة الثانية بشكل شديدة الطرافة، وكانت متحفزة لتحكي وتبرر وتسوق الأسباب.
ما أخبرتني به بقي عالقاً بقوة، الأمر شديد الوقع كان إحراق العروس لنفسها بعد أن فشلت بالإنجاب وألحت عليها العائلة بالسماح لزوجها بالزواج من أخرى، لكنها اشترطت أن تطلق، الزوج (الحبيب) رفض بشدةّ وحاول منعها بكلّ الطرق علها تلين وتقبل بواقع الأمر، فما كان منها إلا و قرار الحريق، بعدها بعام -كما تروي السيدة- طلّقها، وقطع الشجرة، كأنه أيضاً لم يحتمل الذكريات.
حظّي العاثر جعلني ألتقي بزوجته الثانية في مناسبة اجتماعية، كونت نحوها موقفاً مشبوباً بالحذر وقليل من الكره، لكن عندما علمت لاحقاً أنها أحبّت هذا الرجل منذ أن كانت طفلة، وعانت كثيراً بسبب حبّه وزواجه من أخرى صار الأمر ملتبساً ولم أعدْ قادرة على الميلان نحو أيٌّ منهما، بالنهاية صرت كالمرأة متعاطفة مع الجميع.
مع الوقت طورت كلّ منهما أساليب متضادة وغريبة: الزوجة الثانية كانت شديدة الغيرة ولم تستطع التمتع بالحب والزواج من الرجل الذي أحبّت، وانقلبت حياتهم لجحيم لسنوات، ثم تحول مع الوقت لبيت وأطفال، العروس الحارقة لنفسها توقفت عندها الوقت والتزمت الصمت الكامل، وكانت مقتنعة لو ما أحرقت نفسها لتحول الحبّ ليوميات بلهاء، ولخسرت الحبّ.
إنحزت وبكل جوارحي لفعلها الباهظ بإثبات الحبّ وكنت أغضب عندما يصفها الناس بالمجنونة أو هي من جنّت على نفسها، وكنت أشعر بكم كان فعلها مُمعناً في الحضور والبقاء، وبعكس الجميع بقيت الشجرة تنمو في قلبي ورأسي وكلّما مررت أتذكرها وأتخيّل حجمها، أشعر بخسارة وكأنني جزء من الحكاية.
نحن صنيعة تجاربنا الصغيرة وقصص الآخرين، ونحن بالأساس صنيعة ما نحيّا من خذلان وخيبات، التجاوز والخروج الآمن تماماً والنظيف من جروح الماضي ليس بالأمر اليسير، لكن كيف نخرج، هو السؤال.
هل كان من طريقةٍ أخرى للرفض غير الإحتراق؟ هل حقاً أبقى الحريق الحبّ للأبد كما كانت تشتهي العروس؟ تواصلت الأسئلة برأسي بلا توقف، وهل كانت الحكاية ستأخذ كلّ هذه المشهدية والبقاء لو خَلَت من فعل الحريق؟

