هل وقع إعلامنا في فخ التهويل والإشاعات؟
الخليل- رايــة:
طه أبو حسين-
"طائراتهم تتساقط كالذباب، تجوّع يا سمك البحر، في البحر سنرميهم"، عبارة شهيرة رددها الإعلامي المصري أحمد سعيد خلال حرب حزيران عام 1967 للدلالة على النصر، ثمّ كانت النكسة والتاريخ على أرض الواقع علامة نفي لكلّ الادعاءات التي رددها سعيد عبر إذاعة صوت العرب في حينها، ومدير مكتب نقابة الصحفيين في الخليل جهاد القواسمي في تعقيبه على التغطية الاعلامية الإذاعية لما يحدث بالخليل بعد اختفاء ثلاث مستوطنين يطالب بأن لا نعيد ونستذكر ذلك السيناريو الذي فنّده الواقع حيث كنا مهزومين حتى النخاع، على حد قوله.
القواسمي: لا قوة لدينا أن نوقف أي مذيع أو إذاعة تخرج عن أخلاقيات المهنة
التغطية الاعلامية بالخليل كان فيها مبالغة، وإعلاميا أنا سأكتفي بأنه غير مهني، لأنه أصبح نوع من التنافس حتى تجذب أكبر قدر ممكن من المستمعين وهذا أربك المواطنين، وجعلهم يشعرون بأجواء حرب لدرجة أنهم بدؤوا يتهافتوا على محال المواد التموينية والأفران حتى يعملوا على تخزينها، وبالواقع لا يوجد شيء يستدعي أن نستخدم صيغ التهويل والمبالغة.
وحول سؤال القواسمي عن ملامستهم للتجاوزات المهنية في بعض الإذاعات إن كانت النقابة قد أخذت خطوات في هذا الصدد، فقد صرّح لــ"رايــة": "كل من له علاقة بالإعلام، سواء نقابة صحفيين أو وزارة إعلام أو أي جهة للأسف لم نعمل شيء، ولا يوجد أي شيء، وأنا أتحدث عن قناعة، وأنا اكتشفت مدى كم نحن مهترئين، فلا قوة لدينا أن نوقف أي مذيع أو إذاعة تخرج عن أخلاقيات وأدبيات مهنة الصحافة، وبالتالي أنا أطالب على مستوى الوطن مراجعة الإعلام الفلسطيني، فنحن نعيش فوضى إعلامية تحتاج لضبط".
وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تذمرات من استخدام بعض الإذاعات المحلية لخاصية الرسائل القصيرة، وعقّب القواسمي عليها: "أقل ضرر في الموضوع هو الموضوع المادي، وثانيا، المواطن لا يعرف كيف هي آليات العمل الإعلامي، وبالتالي ليس عملا إعلاميا إرسال الرسائل القصيرة، وخارج عن المهنية، ومن استخدم هذه الوسيلة عليه مراجعة نفسه، ونقول، هذه تجارة أكثر من كونها عملا إعلاميا".
الإذاعات المحلية بين الموضوعية والمبالغة في عين المواطن
قال المواطن سالم الغزاوي (27 عاما) أن الإعلام الإذاعي المحلي في الخليل انقسم لقسمين خلال الأسبوع الذي ادّعى الاحتلال بحثه عن المستوطنين المختفين، فأحدهما سلبي والآخر ايجابي.
وذكر الغزاوي لـ"رايـــة": "بالبداية الإذاعات قاموا بتغطية ممتازة، فأنا كنت أتابع إذاعتين بشكل كبير، لكني تداركت حجم التهويل والتخويف وكأن الحرب قامت، فانتقلت لسماع إذاعة أخرى تعطينا الصورة واضحة بهدوء دون أن يشعرونا بأن البلد هدّمت، أو أن القنبلة الذرية نزلت على الخليل، فلا تضطر للتوتر كما فعلت وتفعل بعض الإذاعات بتهويلها للأحداث التي أشعرتني للحظات بأني أريد أن أحمل أغراضي وأهاجر كما حصل في النكبة".
أما المهندس محمد الزرو (27 عاما) فقد قال أن: "بعض الإذاعات تهول بالموضوع، وتحاول أن تشعرنا بأن الموضوع أكبر من حجمه بكثير، فبعضها يشعرنا بأن هناك حرب عالمية ثالثة، وعندما سمعت بعض الإذاعات أصبحت متخوف، وفكرت بتأجيل موعد عرسي بسبب التهويل والمبالغة الكبيرة".
التهويل الإعلامي تسبب بتراجع نسبة المبيعات
بيّن التاجر حسام التميمي (25 عاما) أن: "تغطية الإذاعات جيدة لكن تأثيرها على الحركة التجارية كان كبير، فيوم السبت والأحد يكون هناك حركة سوق قوية، لكن هذا الأسبوع كانت شبه معدومة، فهي مشلولة بسبب الأوضاع وتهويل الإعلام لما يحدث بالخليل".
في حين تحدث التاجر فهد اعبيدو (34 عاما) أن "هناك مبالغة في التغطية، وقد أرعبت الناس، وأخافتهم من الاجتياح، فأنا كصاحب محل تجاري، هناك تراجع كبير في نسبة المبيعات، والبلد كما لو أنها منع تجول، فالتغطية الاعلامية ضخّمت الحدث بشكل أكبر من حجمه".
الأسير المحرر القواسمي ضحية السبق الصحفي
الأسير المحرر عامر القواسمي (48) والذي قضى نصف عمره بالسجن وأفرج عنه في صفقة وفاء الأحرار، كان أحد ضحايا الإعلام المتسرّع الذي يسعى للسبق الصحفي، والذي قال: "بينما كان الجيش عند الأهل بدأت تنهال عليهم وعلي اتصالات على أن إحدى المحليات تؤكد نبأ اعتقالي، وهذا عمل إرباك للأهل ولا أبالغ لو قلت أننا لوجه الصبح ونحن نتلقى اتصالات للاطمئنان علينا وهذا أرهق الوالدين، فنقل الخبر الغير صحيح أحيانا يكون له نتائج خطيرة، وحتى اليوم جائتني اتصالات عدة نتاج هذا الخبر الكاذب".
واستطرد القواسمي: "الإذاعات المحلية منها من كان له رسالة نبيلة في نقل ما يحدث على الأرض للمواطن وتضعه في مجريات الأمور وتواكب الأحداث أول بأول ونقل الخبر بعد التأكد منه، ومنها من أساء للمواطن للأسباب عدة، والبعض يعمل بهذا المجال دون علم أو ثقافة أو مهنية بمعنى "شوربة".
وجاءت هذه التعليقات من نقابة الصحفيين والمواطنين على الإذاعات المحلية في الخليل بعد تداول خبر اختفاء ثلاث مستوطنين في الخليل مساء يوم الخميس الماضي، حيث أسفر عنها مداهمات لبلدات وحارات المحافظة واعتقال حوالي (300) فلسطيني، من بينهم قيادات في حركتي حماس والجهاد الإسلامي، لكن الأمر الذي أثار حفيظة المواطنين هو المبالغة في نقل الأحداث وتصويرها لدرجة الحديث عن وصول جيبات عسكرية لأي منطقة على أنه اقتحام ومداهمة في حين قبل ذلك الأسبوع كان الأمر طبيعيا واعتياديا لوجود الاحتلال فعليا في قلب الخليل.
لا تبعد المسافة بين السبق الصحفي والتحقق من صحة الخبر قيد أنملة، ونبرة الصوت الى جانب طريقة تقديمها لها أثرا فاعلا في نفسية المستمع بين هدمها أو حتى رفع المعنويات، ثمّ إن التهويل جنحة وقعت بها بعض الإذاعات بشهادة المواطنين ونقابة الصحفيين التي قالتها بالفم المليان "لا طاقة لنا على التعديل"، فيا ترى هل يبقى المواطن ضحية إعلام متسرع متهور يسعى للشهرة ليس إلا أم سيبقى تحت وطأته ووطأة الاحتلال الذي يمارس كافة الاعتداءات بحق الإنسان والأرض والحيوان...؟!

