"ناصر ورهف ويسرا".. حكاية النُزهة الأخيرة والشمعة القاتلة
غزة- رايــة:
سامح أبو دية-
أجواء من الألفة والمحبة واللعب واللهو عاشها أطفال عائلة الهندي "ناصر ورهف ويسرا"، في ميناء غزة البحري قبل ساعتين فقط من فاجعة كانت في انتظارهم لدى عودتهم الى منزلهم البسيط المتواضع والمُظلم داخل مخيم يعج بمئات الأطفال؛ أجبرتهم 12 ساعة من انقطاع الكهرباء للنوم مبكراً وتأجيل لعبهم ولهوهم لأوقات صباحية.
عادت العائلة وأطفالها المنتشون بأجواء النزهة والمثقلون بمياه البحر المالحة ورماله الصفراء؛ بعد رحلة استمرت لساعات قضت خلالها آخر لحظات سعيدة قد تحظى بها العائلة، نزهتهم الجميلة كانت الكهرباء سببا فيها، اذ دفعهم انقطاعها للتنزه على شاطئ البحر القريب منهم.
الأم نداء الهندي (33 عاماً) التي عاشت رحلتها الأخيرة على شاطئ بحر غزة وآخر لقاء يجمعها بأسرتها وأبنائها، تصرخ وهي تنتظر الوداع مُنهارة: "وين اولادي صحوهم بدي اشوفهم، بدي ناصر ابني أرضعه، بتكذبوا عليا، مش مصدقة اني ما راح اشوفهم تاني، صحوهم".
"كنت أودعهم طوال دقائق الرحلة"، كأنها تشعر بأنها في حلم تنتظر انتهائه واحتضان صغارها مجددا، ولكنها في واقع وفاجعة حقيقية لن تصحو منها مجددا، فهي مصابة بمرض السرطان وتنتظر بعد أيام سفرها للمستشفيات الاسرائيلية لتلقي العلاج.
وعن تفاصيل الحادث، نفت الأم نداء أن يكون سبب الحريق تسرب للغاز، مؤكدة أن السبب هو شمعة كانت توقدها لتنير على أطفالها أحلامهم بسلام وطمأنينة بعد رحلة كانوا خلالها في قمة السعادة والمرح.
والد الأطفال محمد الهندي (35 عاما) اضطر للاستعانة بالشمع "بديل الطاقة الأرخص ثمناً"، والسبب الفقر وضيق الحال، وضع شمعة على قطعة بلاستيكية بينما كانت الأم تنظف أحد أطفالها من رمال البحر وثاني يستعد، وآخر ينتظر وجبة العشاء، رتبت الأم فراشهم ثم غرقوا في النوم، ليستيقظوا على نيران تأكل اجسادهم.
في دقائق قليلة تحوّل المنزل الى "فرن لاهب" بالكاد تمكنت الأم من انقاذ نفسها وأحد أطفالها القريبين منها، التهمت النيران أطفالها الثلاثة "يسرى 3 أعوام، ورهف عامين، والرضيع ناصر 4 أشهر"، وأخفت ألسنت اللهب ملامحهم بالكامل، فضلا عن إصابة شقيقهم "مهند" بحروق صعبة، اضافة لإصابة الأم والشقيق "علي 6 أعوام" بحروق مختلفة.
نسرين أبو حاجب جارة عائلة الهندي وشاهدة على الحادث، كانت آخر من أرضع الطفل ناصر الهندي حليبه الصناعي الذي احضرته لحبها في الطفل ومساعدةً منها للجارة، تقول: "احضر باستمرار لمساعدة صديقتي وجارتي والدة الأطفال الثلاثة، أقوم بإرضاع الصغير ناصر بسبب مرض والدته، توفي ناصر وبقيت أدوات ارضاعه وسرير طفولته، دقائق بسيطة احرقت قلوبنا جميعا".
وحملت أبو حاجب المسؤولية لكل مسؤول بغزة وللجمعيات الخيرية ولكل انسان شريف شاهد عائلة الهندي المكلومة ولم يقدم شيئا ينقذ الأسرة من حالة الفقر والجوع اللاهب الذي تعيشه، والذي تسبب ايضاً في استعانتها بالشمع زهيد الثمن لإنارة منزلهم المتهالك.
الأب غادر المنزل قبل اندلاع الحريق، وعاد إليه مع اشتعاله وتفخم أطفاله الثلاثة، يقول أحد الجيران: "لم يستطع الوقوف طويلا فور عودته، فقد الوعي واسترجعه في حجرات مشفى الشفاء الذي يرقد أطفاله داخل أحد ثلاجات الموتى داخله، وعقله وقلبه لم يغادرا بيته بعد، وكل ما يفعله، هو السؤال عن أولاده".
جلس الأب المكلوم يحتضن طفله "علي" يبكيان بقلب يحترق ألماً أكبر مما تذوقه أبنائه الموتى، يقول: "مات 3 من أطفالي والرابع مهند بين الحياة والموت، حسبي الله على اللي كان السبب في قطع الكهرباء وموت أطفالي، واطفال غيري".
ليلة سوداء شهدها قطاع غزة، غمر الحزن فيها كل الغزيين وأثار مشاعر الكبار والصغار، على أطفال أبرياء أحرقتهم نيران الأزمات المفتعلة والمتعددة، ولسان حالهم يصرخ متسائلا: "من الضحية التالية؟، ألا يكفي؟".
وكان خليل شاهين مدير وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في المركز الفلسطيني لحقوق الانسان، قال في حديث سابق لـ"رايــة"، إن أزمة الكهرباء في قطاع غزة تسببت منذ عام 2010 في مقتل 32 مواطن بينهم (27 طفلاً) بسبب البحث عن مصادر طاقة بديلة، كان ذلك قبل حادث احتراق الأطفال الثلاثة من عائلة الهندي، ليترفع العدد الى 30 طفلاً.
يذكر أن المواطن محمد أبو الهندي والد الأطفال قد حمّل حركة حماس وشركة الكهرباء المسؤولية الكاملة عن وفاة اطفاله لتقاعسهم والاكتفاء بتحقيق مكاسب مادية وحزبية بعيدة عن قضايا وهموم أبناء شعبنا في قطاع غزة.

