قصص المسافرين على "رفح".. بوابة الموت والحياة
غزة- رايــة:
سامح أبو دية-
فور اعلان السلطات المصرية نيتها فتح معبر رفح البري مع قطاع غزة لمدة يومين فقط بعد 85 يوماً من اغلاقه؛ حتى بدأ آلاف المسافرين الغزيين من المرضى والجرحى والشيوخ والأطفال والنساء؛ بإحاطة بوابات المعبر من كافة النواحي، انتظاراً لفرج قريب عُلقت عليه آمالهم المؤجلة بالسفر وتجاوز "معجزة الخروج من غزة".
صباحاً وفور وصولنا لبوابة المعبر بدأنا بمُشاهدة الابتسامة الصباحية المنقوصة على بعض الحالمين بالعبور منذ سنوات، بعضهم تقاطر تحت وطأة أشعة الشمس أملاً في انقاذ أو تسهيل حياته، وآخرون تقاسمت شفاههم وعيونهم "آمال" أو "أحلام" العبور، والبعض شاهدنا عليه مظاهر الشقاء والارهاق ينظر للفرج بابتسامته المتعبة لتحقق حلم راوده لشهور أو سنوات.
توتر كبير وفوضى عارمة وأعداد من الحالات الانسانية للمسافرين تكاد لا تُصدق، تصدرت المشهد الحزين في معبر رفح البري منذ فتحه صباح أمس الأربعاء.
قرابة عام والطفلة المريضة رندة مصلح (4 سنوات) تحاول السفر رفقة عمها، الى جمهورية مصر العربية لتلقي العلاج الذي تتمناه لتحسين حالتها الصحية التي تزداد تدهورا في كل يوم يتأخر فيه موعد سفرها، استعطاف واضح يظهر على من يحيط بتلك الطفلة المريضة بمرض يُعرف بـ "الكهرباء الزائدة".
أما الطفل المريض كريم دخان فقد تمكن قبل 3 سنوات من تجاوز عقبة المعبر رفقة والده، تاركاً خلفه باقي أفراد أسرته التي ما زالت تحاول السفر الى دولة السويد منذ ذلك الحين، أملاً في الحفاظ على الاقامة الممنوحة لهم هناك.
تقول أم كريم دخان: "سافر زوجي قبل 3 سنوات الى السويد لإجراء عملية قلب مفتوح لابني كريم، ومنذ ذلك التاريخ ومحاولات السفر جميعها فشلت بسبب أزمة المعبر"، مشيرة الى أن اقامتها التي حصلت عليها برفقة ابنائها الاثنين باتت مهددة بالانتهاء حال عدم تجاوزها بوابة المعبر من الجانب المصري.
وتشتكي المسافرة دخان من سوء إدارة أزمة المعبر، لعدم وجود اسمها في كشوفات المسافرين رغم قُرب رقمها التسلسلي فيه، تقول: "رقمي كان في حدود رقم 2000، تفاجأت بابتعاده حتى رقم 7100"، مما يعني انها بحاجة لـ 10 أيام من عمل المعبر على الأقل، ومزيدا من المعاناة والارهاق.
وبلهجة غزاوية تميل الى المصرية، يحمّل المواطن محمد البيوك جميع الأطراف المتصارعة في فلسطين؛ المسؤولية عن معاناة عشرات الآلاف من المرضى والطلاب والحالات الانسانية التي يزخر بها قطاع غزة.
فمنذ 3 سنوات يسعى البيوك (38 عاما) للوصول الى وطنه الثاني (مصر) بعد أن حصل على الجنسية المصرية، لملاقاة والديه الحالمين ايضاً بلقائه، ومحاولته الحالية للسفر مليئة بالصعوبات بسبب ابتعاد موعد سفره حسب الكشوفات، يقول: "جئت للمعبر اليوم على أمل استبدالي بأحد المرجعين، سأحاول اليوم وغدا، والا سأنتظر موعد جديد مجهول لفتح المعبر".
المعبر يزخر بقصص المآسي والمعاناة، حيث تتكدس الحالات الإنسانية ويخيّب الإغلاق آمال كثيرين لم يحلموا كثيرا سوى بعبور البوابة الحديدية بحثا عن قدر أفضل في ظل الحصار والظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة في القطاع.
وبينما تنتظر الطالبة ريم الأسطل بمظهرها الشاحب دورها بشغف لمناداة اسمها، حاولنا التحدث اليها للاطلاع على حكايتها مع ساعات الانتظار الطويلة، فأجابت: "تخرجت من الثانوية العامة قبل عامين وحصلت على منحة تركية، ومنذ ذلك الحين والانتظار أصبح رفيقي، طموحي ومستقبلي متوقف على تجاوز بوابة المعبر والوصول الى باقي أفراد عائلتي في تركيا، والالتحاق بقسم الهندسة في الجامعة بتركيا".
الطالبة الأسطل (20 عاما) محاولاتها للسفر منذ 9 أشهر لم تتوقف، انتهى موعد التأشيرة التركية لدخول أراضيها فأعادتها مجدداً، وفي المرة السابقة لفتح معبر رفح قبل 3 أشهر كانت في نفس المكان تنتظر دورها للخروج دون جدوى، فعادت مرة أخري لإعادة مشهد جديد لم يختلف فيه سوى "الزمان".
مسافر آخر رفض ذكر اسمه، ينتظر دوره وهو مستعد لرحلة مبيت تستمر يومين داخل المعبر، للخروج سريعا من غزة والالتحاق بعائلته المتواجدة في أحد بلدان القارة العجوز "اوروبا"، وكله أملاً بالهرب من (سجن غزة الكبير) والشعور بنوع من "الحرية"، حسب وصفه.
وكان قد تمكن فقط 433 مواطنا من السفر في اليوم الاول من فتح المعبر الذي اُغلق 85 يوما بشكل متواصل قبل ذلك، فيما تمكن عدد آخر من العالقين في الدول العربية والاجنبية من العودة لغزة.
من جانبها، دعت وزارة الداخلية في غزة السلطات المصرية لاتباع سياسة جديدة تراعي الظروف الإنسانية الصعبة لسكان قطاع غزة وتقدير الأوضاع الصعبة للحالات الإنسانية التي تزداد كل يوم، والعمل على فتح معبر رفح لمدة أطول.
وقال اياد البزم الناطق باسم الوزارة لـ"رايــة"، أن قطاع غزة أصبح في كارثة انسانية كبيرة جداً جراء الاغلاق الطويل لمعبر رفح، مؤكداً وجود 30 ألف حالة انسانية مسجلة في كشوفات السفر.
وتوقع البزم سفر حوالي 1000 مواطن خلال اليومين المقررين لفتح المعبر، ما يعني بقاء معاناة 29 ألف آخرين هم بحاجة ماسة للسفر، داعيا الجانب المصري لتمديد عمل المعبر لأيام أخرى حتى يتمكنوا من انقاذ الوضع الكارثي الموجود في القطاع.
ملف صور للمسافرين على معبر رفح امس: http://www.raya.ps/ar/eye-on-event/942816.html

