الخطاط الصغير عيسى.. صنع منه السجن فنانا كبيراً
الخليل- رايــة:
طه أبو حسين-
"إنني أردت الوصول إلى نقطة ما، فرأيت الخط العربي قد سبقني إليها" قال هذه العبارة الشهيرة الفنان الاسباني بابلو بيكاسو، وبها استدل الفنان الفلسطيني عيسى عبيدو الذي يجد من الخط العربي رأس هرم الابداع في عالم الفن.
الفنان الفلسطيني عيسى عبيدو، تجاوز الستين من العمر، تجلت موهبته في الرسم التشكيلي والخط العربي وأخذت مساحة الابداع الواسعة لديه بينما كان في أضيق نقطة وأكثرها ظلاماً، هناك في سجون الاحتلال.
حكاية الستيني عبيدو بدأت قبل دخوله المدرسة ثم اكتشفها معلمو المرحلة الابتدائية بينما كان يرسم الخليل العتيقة بحرمها وأبنيتها القديمة التي كانت ملهمة له، "المدرسون طوروا موهبتي وشجعوني، وكذلك الخط العربي، فقد كنت أكتب الحكم اليومية على لوحة الاعلانات المدرسية، ومنحت فترتها لقب (الخطاط الصغير)".
الموهبة تطورت عند عبيدو خلال الدراسة في لبنان ثم جاءت الأوامر من القيادة الفلسطينية بالخروج لبغداد لاستكمال دراسة الفنون رغم دراسته الحقوق وكان في سنته الجامعية الثانية، ثم عزم عبيدو العودة للوطن للقيام بالواجب، سرعان ما أصبح مطارداً ثم أسيرا.
عبيدو بينما يتأمل لوحاته التي رسمها داخل الأسر قال: "قضيت شبابي في سجون الاحتلال، فقد اعتقلت منذ كان عمري 19 عاما، وقبلها كنت مطاردا في جبال الخليل، حيث قضيت في السجن من عام 1974 إلى عام 1985، وخرجت بتبادل الأسرى من خلال صفقة مصرية علما أن مجموع محكوميتي 120 عاما".

أشرف عبيدو على عدد من الأسرى في مجال الفنون والخط العربي وعمل على تطوير مواهبهم في الفن التشكيلي والخط العربي، ويستذكر عبيدو "أحد تلامذتي الفنان الكبير محمد البيروتي وهو أحد أهم الفنانين الذين يتقنون الفن التشكيلي، فأخذها بالتعلم داخل السجن. وخارج السجن الخطاط المشهور في الخط العربي شفيق الرجبي هو أحد تلاميذي أيضا".
يعتبر عبيدو أن اللوحات التي رسمت داخل السجن لها نكهة خاصة، والمشاهد يلمسها، فلها نمطية مختلفة عما يرسم خارج السجن. "لوحاتي داخل السجن كانت أغزر من التي رسمتها خارجاً".
أخرج عيسى من داخل السجن حوالي 150 لوحة فنية، في حين بقي هناك 40 لوحة ما زالت أسيرة والاحتلال يرفض الافراج عنها.
بينما يعتصر عيسى الألم يقول "عندي اشكالية في نظري، فقد استهدفت من أحد المشبوهين برش مادة على وجهي، وقد خرجت لموسكو لتلقي العلاج عدة مرات، لكن حتى الان لم أستكمل العلاج، وأتمنى من القيادة الفلسطينية ان ترسلني لاستكماله".
واستأنف عبيدو "هناك ألوان كثيرة لا أراها، واحدى عيني لا أرى بها، والثانية بدأت تذبل، ومع ذلك أنا مستمر بالرسم".
لوحة القدس هي من أكثر اللوحات التي أخذت بعداً عالمياً، يقول عبيدو "بعد الخروج من السجن رسمت لوحة القدس، فهذه اللوحة تعتبر من أجمل ما رسم للقدس حسب النقاد، وقدموها على لوحة اسماعيل شموط رغم أنني أعتبر نفسي أحد تلاميذه لأنه فنان عملاق، إلا أن النقاد قدموها عليها. طبعت في ساحة شنغهاي بشكل كبير وحملت بأيدي عشرات الالاف، ونقلتها الفضائيات في اسبوع التضامن مع القدس".

"رسمت كل اتجاهات الحياة الفلسطينية، لكن كانت القضية الفلسطينية أهمها وهدفها التوق بالخلاص من الاحتلال، كما سلطت الضوء على الاوضاع الاجتماعية التي يعيشها الاسير داخل السجن وخارجه" قال عبيدو.
عيسى عبيدو ابنه ضابطا في البحرية وله تسع بنات وجميعهم يتقنون الرسم والخط العربي.
لم تقف انجازات عيسى عند رسوماته وخطه العربي، ففي سبيل مساعدة الفنان لوضع بصماته الخاصة على الصناعات الحرفية وحتى يأكل الطعام الفاخر وليس كما هو متعارف أن لا يملك الفنان سعر كسرة الخبز فقد أسس نقابة الفنانين التشكيليين.

قال عبيدو "أسست نقابة الفنانين التشكيليين، وصار لها جمهورا كبيرا في الضفة وغزة والاتحاد السوفييتي والعديد من دول العالم، كما أنني أسست سابقا مركز الفنون التشكيلية في عام 1989، ومن يومها أصبح لدي معرضا دائما".
"كونت مدرسة خاصة بي، فلوحاتي موجودة في الموسوعة العالمية، ووجدت بعضها في كتب جامعة القدس المفتوحة، وشاركت مع كثير المعارض منذ عام 1977 في مختلف دول العالم، وبعضها شاركت في معارض موسكو، وموسكو طبعت لوحة القبعة الامبريالية لأن لها بعدا عالميا" ختم عبيدو.




